الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

حوار عند منعطف الطريق


حوار عند منعطف الطريق 
بقلم د. محمد الجاغوب

              

         التـَقـَيتـُه عند مُنعطف الطريق، تبادلنا التحية ومعايدة العيد، انتحينا جانبا من  الرصيف، وبما أنّ الحديث ذو شجون، فقد انتقل صاحبـُنا من حديث العيد والمعايدة إلى حديث عن الدنيا والآخرة، راح يسرد أمثالاً وحكايات، ويذكرني بأحكام بدهية معروفة للصغار ناهيك عن الكبار، تطرّق في مواعظه لمظهري الشخصي ولباسي، قلتُ له يا رجل: ألا ترى أنني ابن هذه الأمة؟ أم أنك تراني خارجا في مظهري عما توارثناه من تقاليد؟ وأضفت: ألا ترتقي بحديثك قليلاً؟.

               نظر إليّ باستغراب، تناولَ نظارته عن عينيه، فرَكَ عدساتها بطرف منديله، وأعادها حيث كانت وواصل حديثه، تجنـّب الحديث عن الحقائق والشواهد والنصوص الصريحة، ولجأ إلى التفسير والتأويل، قلت له: أتفقُ معك في الحقائق والمبادئ التي لا غبار عليها، لكنني لن أقبل منك أن تسرح بي في مجاهل التفسير والتأويل الذي لا يخدم إلا مذاهب فكرية جامحة ومعروفة.

               صَمتَ قليلاً، نظر في عيني وكأنه فهم ما أريد، تنحنح  قليلاً وراح يحدثني عن قضايا تتعلق بالمرأة ولباسها وتبرّجها وعملها، ثم دخل في الاقتصاد والرواتب إلى أن وصلَ في حديثه للبنوك الربوية، بعدها عرّج على قضايا سياسية عربية ودولية يحتاج الخوض فيها إلى جلسة مريحة ووقت طويل وحوار هادئ وفكر منفتح.

               لمستُ من خلال حديثه منهجَه السياسي ورؤيته الفكرية للحياة، ولم يكن عسيراً عليّ إدراك مغالاته وتطرفه في أفكاره، استمعتُ إليه باحترام، لكنني لاحظتُ أنه يحاول أن يلعبَ معي دور المُدرس مع التلميذ،



كان يحاولُ إقناعي برؤيته وأفكاره. قلت له: مهلاً ياعزيزي، نحن زملاء عمل فلمَ لا نتحدث عن قضايا نتفق فيها مثل: هموم العمل أو حالة الطقس أو أزمات المرور أو ...... أو ........  .

               صَمتَ قليلاً وتابعَ حديثه قائلاً: أنت تخالفني فيما أرى؟! قلت: وأين المشكلة؟! فأنا منذ بداية حديثك أيقنتُ وجودَ فجوة كبيرة بيننا في الرؤية الفكرية يصعبُ عليك جَسرُها، فأنا لي رؤية فكرية ذات أبعاد قومية وإنسانية ودينية وسطية، وأنت لديك رؤية مناقضة تماماً. نظرتُ في تعابير وجهه فوجدتها مستنفرة، فعرفت أنه غضِب، وما هي إلا ثوان ٍ حتى تابع حديثه مُحتداً ومُطلقاً للسانه العَنان للنقد اللاذع والتجريح لكل ما هو مغاير لأفكاره.

               أمهلتـُه قليلاً وأنا أستمع إليه بهدوء، تطوّرَ غضبُه إلى شتم وسُباب لدعاة الفكر القومي والتقدمي والإنساني، وتكفيرٍ سريع لكل رموزه من أحرار الأمة وشرفائها. قلت له: مهلاً أيها الزميل واهدأ قليلاّ، لا تنتظر مني أن ألعبَ دور التلميذ أمامك إلى ما لا نهاية، لقد استمعتُ إليك باحترام وأنت تتحدث عن أفكارك وتوجهاتك ورموزك، وهذا شأنك ومن حقك، لكنك عندما تتمادى وتتجاوز حُدودَك وتفقد قواعد اللياقة في أدبيات الحوار  وينزلق بك النزق إلى مهاوي الشتم والسباب المقذع لرموز وطنية وقومية محترمة لها مكانتها في قلوب الناس، فهذا يُمثلُ تعدياً على مشاعر الغير واستفزازاً لهم. وأنا أريد أن أريحك من العناء وأختصر عليك الطريق، وفـّر عليك جهودك فإنك لن تقنعني ولن تـُحدث ثـَغرة ً في توجهاتي، كما أنني لن أحدثَ ثغرة في توجهاتك وقناعاتك لأنني أجزم بأنك ذو تفكير مُنغلق وصاحب فكر مُتعصب ولا ترى إلا من زاوية واحدة  ولا تحيد عما تعلمْـتـَه من تطرف وكراهية للغير.

               قرّرتُ أن أنهي اللقاء، قلت له: أرجو ألاّ أكون قد أثقلتُ عليك يا عزيزي، دعنا نحافظ على الحد الأدنى من حقوق الزمالة، ونتبادل التحية كلما التقينا في العمل أو عند منعطف هذا الطريق، نظرتُ في عينيه فلم


ألمح فيهما رضاً عما أقول، أمسكتُ بلحيته مُداعباً، تناولتُ يدَه، ضغطتُ عليها، وقلتُ له: وداعاً، ومضى كل منا في طريقه.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق