الاثنين، 8 يونيو 2026

منارات تربوية - سميرة الجاغوب

 منارات تربوية - سميرة الجاغوب

السيدة سميرة نعيم أحمد الجاغوب شخصية تربوية واجتماعية وُلدت في قرية بيتا قضاء نابلس عام 1947 وتنتمي إلى واحدة من أبرز العائلات الفلسطينية ذات الحضور الاجتماعي والوطني المؤثر في محافظة نابلس.

النشأة والخلفية العائلية:

والدها نعيم أحمد الجاغوب مختار قرية بيتا ورئيس مجلسها القروي وأحد وجهاء محافظة نابلس المعروفين بدورهم الاجتماعي والوطني. 

نشأت السيدة سميرة في أسرة أرستقراطية ميسورة الحال جمعت بين المكانة الاجتماعية والالتزام الوطني والاهتمام بالعلم والتعليم الأمر الذي كان له أثر بالغ في تشكيل شخصيتها ومسيرتها لاحقًا.

التعليم والتكوين العلمي

تلقت تعليمها الابتدائي في مدرسة بيتا، ثم أرسلها والدها إلى مدينة نابلس لمواصلة تعليمها الإعدادي والثانوي، فالتحقت بـ مدرسة ابن سينا الإعدادية ثم المدرسة العائشية الثانوية في عام 1968 حصلت على شهادة الثانوية العامة (التوجيهي الأردني)، وكانت الوحيدة من بنات قريتها التي حققت هذا الإنجاز في ذلك الوقت، وهو ما أهّلها للالتحاق بـ كلية النجاح الوطنية في نابلس، في خطوة عكست وعي الأسرة المبكر بأهمية تعليم المرأة ودورها في المجتمع.

 مسيرتها الحياتية والتربوية: 

في عام 1971 عُقد قرانها على الدكتور محمد الجاغوب وبدأت معه مسيرة مشتركة، ومشوارها التربوي بدأ بتعيينها معلمةً في مدرسة (أم منيع)  في ضاحية صويلح، ثم معلمة في مدرسة وروضة التربية في صويلح بالمملكة الأردنية الهاشمية، ثم جرت ترقيتها إلى منصب مديرة لتلك المدارس وهو منصبٌ شغلته لثمانية أعوامٍ خلت، تميّزت خلالها بالكفاءة الإدارية والحضور التربوي والاجتماعي المؤثر في مجتمعها والقائم على توثيق العلاقة بين البيت والمدرسة لتحقيق النمو الشامل لطالباتها وطلابها. ف

ي عام 1983 قدّمت استقالتها لتؤسس مشروعها التربوي الخاص حيث أنشأت روضة ومدارس (غصن الزيتون) في صويلح، وتم تعيينها مديرة لتلك المدارس من قبل مديرية التربية والتعليم الخاص في عمّان واستمرت في إدارتها حتى عام 1993 واضعةً بصمة واضحة في مجال الإدارة المدرسية والتأهيل التربوي والتعليم المبكر من خلال مشاركاتها في الدورات والندوات التربوية ومتابعة تطوير أداء المعلمات العاملات في مؤسستها التعليمية وتدريبهن أثناء الخدمة بالتعاون مع قسم الإشراف والتوجيه التربوي في مديرية التعليم الخاص بالعاصمة عمّان. 

أعدّت السيدة سميرة كثيرًا من الأوراق التربوية في مجالات التخطيط الدرسي والسنوي والإدارة الصفية والتفاعل الصفي والتعلم التعاوني من خلال المجموعات، وقد أبدت اهتماما كبيرا بتوظيف الوسائط التعليمية الحديثة ولا سيما توظيف أجهزة عرض الشرائح والتلفاز التعليمي والحاسوب في تقديم الدروس، وربطت ذلك بالتعلم ببرامج الرحلات والمشاهدات.

الحضور الإنساني والثقافي 

لا تزال السيدة سميرة الجاغوب قادرة على العطاء التربوي والاجتماعي والخيري الإنساني، وتُعرف بمحبتها للعلم والعلماء ومواكبتها لمسيرة زوجها التربوية والأكاديمية والثقافية ومتابعتها الدؤوبة لنشاطاته الأدبية والثقافية وأبحاثه ومنشوراته ومؤلفاته بكل اهتمام واعتزاز

حياتها الأسرية:

السيدة سميرة هي إحدى بنات المختار نعيم الجاغوب، إلى جانب شقيقتيها منيرة ونبيلة. أما شقاؤها فهم: 

- نعمان تولّى منصب مختار قرية بيتا بعد وفاة والده عام 1980.

- طارق مهندسٍ كهربائي وأحد الوجوه الوطنية الفلسطينية.

- محمود محامٍ.

- أحمد تاجر.

- وائل مناضل وأسير لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

عمّها الأستاذ حسين أحمد الجاغوب، محامٍ نظامي وعضو هيئة محاكم نابلس النظامية خلال فترة الحكم الأردني للضفة الغربية وأحد الوجوه الوطنية الفلسطينية البارزة، أبعدته سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن مدينته عام 1973، ثم جرى تعيينه مستشارًا في رئاسة الوزراء الأردنية في عمّان

أبناؤها وبناتها وأحفادها

أنجبت السيدة سميرة عددًا من الأبناء الذين تبوّأوا مواقع علمية ومهنية متميزة:

- الدكتورة محاسن، عضو مجلس الأعيان الأردني في مجلس الملك عبد الله الثاني ابن الحسين لثلاث دورات متتالية.

- حسام، محامٍ ومستشار قانوني.

- شادن، موظفة في مجال تكنولوجيا المعلومات.

- ديمة، متخصصة في التربية.

- آلاء، محامية.

- سمر، متخصصة في إدارة الأعمال وموظفة إدارية.

- أنس، متخصص في علوم الحاسوب ومدير إداري.

أحفادها:

الدكتور رشيد، ومحمد، وعمر، وكريم، وهاشم، ومحمود، وسيف، أما حفيداتها فهنّ: ماسة، فرح، تالا، زينة.

جماليات الصورة الشعرية في قصيدة د. محمد الجاغوب

 جماليات الصورة الشعرية والأبعاد النفسية في قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» للشاعر الدكتور محمد الجاغوب

بقلم: الدكتور زهير شاكر

مقدمة

يُعد الشعر من أرقى أشكال التعبير الإنساني؛ لأنه يمثل اللقاء العميق بين الفكر والوجدان، وبين التجربة النفسية والصياغة الفنية. فالكلمة الشعرية ليست مجرد أداة للتعبير عن المشاعر، وإنما هي وسيلة لإعادة تشكيل الواقع وإضفاء أبعاد جمالية وإنسانية جديدة عليه. ومن هنا تكتسب القصائد التي تجمع بين جمال الصورة وعمق المعنى أهمية خاصة في الدراسات الأدبية والنفسية؛ لأنها تكشف عن قدرة اللغة على التأثير في الوعي الإنساني وبناء منظومات من القيم والمشاعر.

وتأتي قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» للشاعر الدكتور محمد الجاغوب نموذجاً شعرياً متميزاً يجمع بين الرهافة الوجدانية والثراء البلاغي والعمق النفسي. فالقصيدة لا تقتصر على التعبير عن حالة إعجاب أو محبة، وإنما تقدم رؤية جمالية متكاملة تجعل من الكلمة مصدراً للنور والأمل والجمال، وتمنح المخاطبة بعداً رمزياً يتجاوز حدود الفرد إلى فضاء القيم الإنسانية العليا.

أولاً: العنوان بوصفه مدخلاً دلالياً للنص

تمثل عتبة العنوان في أي عمل أدبي مفتاحاً أساسياً لفهم النص واستكشاف أبعاده الفكرية والجمالية. وعنوان القصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» يلفت الانتباه منذ الوهلة الأولى لما يتضمنه من بناء لغوي غير مألوف.

فالشم يرتبط عادة بالعطر والرائحة، بينما يرتبط الصوت بحاسة السمع. لكن الشاعر يدمج بين الحاستين في صورة واحدة، فيقدم نموذجاً واضحاً لما يسميه النقاد تراسل الحواس، وهو من أكثر الأساليب الفنية قدرة على توسيع أفق الدلالة وإثراء التجربة الشعورية.

ولا يقتصر أثر العنوان على الجانب البلاغي فحسب، بل يحمل بعداً نفسياً عميقاً؛ إذ يشير إلى أن أثر المخاطبة قد تجاوز حدود الإدراك الحسي المباشر ليصبح تجربة وجدانية شاملة تتفاعل فيها مختلف الحواس والمشاعر.

ثانياً: الطبيعة بوصفها مرآة للجمال الإنساني

تحتل الطبيعة مكانة مركزية في البناء الفني للقصيدة، حيث يستحضر الشاعر مجموعة واسعة من عناصرها:

الزهر.

الروابي.

النجوم.

القمر.

السماء.

النسيم.

المطر.

الأشجار.

الربيع.

ولا تأتي هذه العناصر بوصفها زخارف لغوية أو أوصافاً خارجية، بل تتحول إلى رموز تعبر عن صفات إنسانية ومعانٍ وجدانية.

فالربيع رمز للتجدد والانبعاث، والنجوم رمز للهداية والأمل، والنسيم رمز للراحة والسكينة، بينما يمثل المطر معنى الخصب والحياة.

ومن الناحية النفسية، فإن ارتباط الإنسان بالطبيعة يمثل أحد أهم مصادر التوازن النفسي والراحة الوجدانية، ولذلك نجد أن الشاعر يوظف صور الطبيعة لتعزيز الشعور بالطمأنينة والجمال الداخلي.

ثالثاً: البنية النفسية للصورة الشعرية

تكشف القصيدة عن حضور قوي للبعد النفسي في تشكيل الصور الشعرية. فالمخاطبة لا تُقدَّم باعتبارها شخصية مادية محددة، وإنما تتحول إلى حالة وجدانية إيجابية قادرة على التأثير في البناء النفسي للشاعر.

ويظهر ذلك من خلال مجموعة من الوظائف النفسية التي تؤديها كلمات المخاطبة:

1. استثارة الأمل

فكلماتها توقظ في النفس أحلاماً قديمة وآمالاً كامنة كانت مهددة بالغياب.

2. استدعاء الذكريات الإيجابية

تعمل اللغة الجميلة على تنشيط الذاكرة الوجدانية واستحضار التجارب السعيدة التي تمنح الإنسان شعوراً بالاستمرارية والهوية.

3. تخفيف وطأة اليأس

يؤكد الشاعر أن كلماتها تمحو ظلال اليأس الثقيلة وتترك في النفس أثراً من الجمال.

وهذا يتوافق مع ما تؤكده الدراسات الحديثة في علم النفس الإيجابي من أن الكلمة الداعمة واللغة الوجدانية الجميلة تؤدي دوراً مهماً في تعزيز الصحة النفسية وزيادة القدرة على مواجهة الضغوط.

رابعاً: فلسفة الجمال في القصيدة

لا ينظر الشاعر إلى الجمال من زاوية الشكل الخارجي وحده، وإنما يقدمه بوصفه منظومة متكاملة تجمع بين:

الجمال الحسي.

الجمال الروحي.

الجمال الأخلاقي.

الجمال الإنساني.

فهو يشبه المخاطبة بالضوء والنجوم والسماء، ثم ينتقل إلى تشبيهها بالكرم والوفاء والتضحية والنصر.

وهذا الانتقال من المجال الحسي إلى المجال القيمي يكشف عن رؤية فلسفية تعتبر أن الجمال الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يقترن بالأخلاق والفضائل الإنسانية.

ومن هنا تتحول القصيدة إلى خطاب إنساني يتجاوز حدود الوصف التقليدي ليصبح احتفاءً بالقيم النبيلة.

خامساً: الحنين والذاكرة في البناء الشعوري

يُعد الحنين أحد المحاور الرئيسة في القصيدة. فاللغة الجميلة التي تصدر عن المخاطبة تعيد للشاعر ذكريات الزمن الجميل وتوقظ داخله مشاعر كانت كامنة تحت ركام الغربة واليأس.

والحنين هنا ليس مجرد استرجاع للماضي، بل هو عملية نفسية تسهم في إعادة بناء الذات واستعادة توازنها الداخلي.

وتشير الدراسات النفسية إلى أن الذكريات الإيجابية تمثل مخزوناً عاطفياً يساعد الإنسان على تجاوز الأزمات والتكيف مع الضغوط، وهو ما يتجسد بوضوح في التجربة الشعرية التي يقدمها النص.

سادساً: الموسيقى الداخلية والإيقاع النفسي

تمتلك القصيدة موسيقى داخلية نابعة من عدة عناصر فنية:

التكرار

يتكرر النداء الإعجابي:

«ما أروعكِ»

ليؤدي وظيفة إيقاعية ونفسية في الوقت نفسه، حيث يعزز الشعور بالانبهار ويمنح النص وحدة وجدانية متماسكة.

التوازن الدلالي

تتوالى الصور ضمن نسق متجانس يبدأ بالطبيعة ثم ينتقل إلى القيم ثم إلى الذكريات والأمنيات.

الانسجام الصوتي

تتكرر مفردات الضوء والعطر والنسيم والربيع والمطر، مما يخلق جواً موسيقياً هادئاً ينسجم مع طبيعة التجربة الشعورية.

وهذا النوع من الإيقاع يسهم في نقل المشاعر إلى المتلقي بصورة غير مباشرة، فيجعله يعيش الحالة النفسية التي يعبّر عنها الشاعر.

سابعاً: البعد الإنساني والحضاري للقصيدة

على الرغم من الطابع الوجداني للنص، فإن القصيدة تحمل أبعاداً إنسانية وحضارية أوسع.

فهي تؤكد أهمية:

الكلمة الطيبة.

الجمال الروحي.

الوفاء.

التضحية.

الأمل.

الإحسان.

وهذه القيم تشكل أساساً لبناء المجتمعات الإنسانية السليمة.

ومن هنا يمكن النظر إلى القصيدة بوصفها دعوة غير مباشرة إلى ترسيخ ثقافة الجمال في العلاقات الإنسانية، وإلى إعادة الاعتبار للكلمة الصادقة باعتبارها أداة للبناء النفسي والاجتماعي.

ثامناً: القراءة النفسية للقصيدة في ضوء علم النفس الإيجابي

يمكن تصنيف القصيدة ضمن النصوص الأدبية التي تعزز مفاهيم علم النفس الإيجابي، حيث تتضمن مجموعة من المؤشرات النفسية المهمة، منها:

تعزيز التفاؤل.

تنمية الامتنان.

استدعاء الذكريات الإيجابية.

مقاومة اليأس.

تعزيز المعنى في الحياة.

الإحساس بالجمال.

بناء الأمل.

ومن هذا المنظور تصبح القصيدة أكثر من نص أدبي؛ إذ تتحول إلى رسالة نفسية تدعو الإنسان إلى التمسك بالجمال الداخلي مهما اشتدت ظروف الحياة.

خاتمة الفصل

تكشف قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» للدكتور محمد الجاغوب عن تجربة شعرية ناضجة تجمع بين جمال الصورة وعمق الإحساس ورقي القيم الإنسانية. وقد استطاع الشاعر من خلال توظيف الطبيعة وتراسل الحواس والحنين والرمزية النفسية أن يبني عالماً شعرياً يفيض بالنور والأمل والجمال.

كما تؤكد القصيدة أن الكلمة الجميلة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي قوة نفسية وروحية قادرة على إحياء الأمل، وترميم الذاكرة، ومداواة الجراح المعنوية، وإعادة الإنسان إلى منابع الجمال الكامنة في ذاته وفي الحياة من حوله.

ولهذا يمكن اعتبار هذه القصيدة نموذجاً متميزاً للشعر الوجداني المعاصر الذي يجمع بين الإبداع الفني والرسالة الإنسانية، ويؤكد الدور الحضاري للأدب في بناء النفس والارتقاء بالوجدان وترسيخ ثقافة الجمال والخير والمحبة.

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر 

***

الفصل الأول المدخل النظري إلى جماليات الصورة الشعرية في قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي»

بقلم: العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر

مقدمة الفصل

يمثل الشعر أحد أهم أشكال التعبير الإنساني التي استطاعت عبر التاريخ أن تنقل التجارب النفسية والوجدانية والفكرية للإنسان بلغة تتجاوز حدود الخطاب العادي إلى فضاءات الإبداع والجمال. فالشاعر لا يصف الواقع كما هو، وإنما يعيد تشكيله من خلال رؤيته الخاصة، مستعيناً بمجموعة من الأدوات الفنية التي تجعل اللغة قادرة على حمل المعاني الظاهرة والخفية في آن واحد.

وتعد الصورة الشعرية من أهم هذه الأدوات؛ لأنها الوسيلة التي تتحول بها المشاعر والأفكار المجردة إلى مشاهد حية نابضة بالحركة والإحساس. ومن هنا أصبحت دراسة الصورة الشعرية مدخلاً أساسياً لفهم البنية الجمالية للنص الأدبي والكشف عن أبعاده النفسية والفكرية والإنسانية.

وتبرز قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» للشاعر الدكتور محمد الجاغوب بوصفها نموذجاً متقدماً في توظيف الصورة الشعرية، حيث تتداخل فيها الحواس والمشاعر والرموز الطبيعية لتشكيل عالم جمالي متكامل يعكس رؤية إنسانية عميقة للجمال والوفاء والأمل.

أولاً: مفهوم الصورة الشعرية وأهميتها في البناء الأدبي

تشير الصورة الشعرية إلى ذلك التشكيل الفني الذي يقوم على توظيف اللغة بطريقة تجعل القارئ يرى الفكرة أو الشعور وكأنه مشهد محسوس أمامه.

ويرى النقاد أن الصورة الشعرية ليست مجرد زخرفة لغوية أو وسيلة تجميلية، بل هي جوهر العملية الإبداعية؛ لأنها تمثل الأداة التي ينقل بها الشاعر تجربته الخاصة إلى المتلقي.

وتؤدي الصورة الشعرية عدة وظائف أساسية:

1. الوظيفة الجمالية

إذ تضفي على النص بعداً فنياً يميزه عن اللغة اليومية العادية.

2. الوظيفة التعبيرية

حيث تسمح للشاعر بالتعبير عن الأحاسيس الدقيقة التي قد تعجز اللغة المباشرة عن نقلها.

3. الوظيفة النفسية

إذ تثير استجابات وجدانية لدى المتلقي وتجعله يعيش التجربة الشعورية للنص.

4. الوظيفة الفكرية

فالصورة ليست مجرد إحساس، بل قد تحمل رؤية فلسفية أو موقفاً إنسانياً معيناً.

وفي قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» نجد هذه الوظائف مجتمعة بصورة واضحة، مما يمنح النص ثراءً دلالياً وجمالياً كبيراً.

ثانياً: العنوان بوصفه عتبة جمالية ودلالية

تكتسب العناوين في النصوص الأدبية أهمية استثنائية لأنها تمثل البوابة الأولى التي يدخل منها القارئ إلى عالم النص.

وقد اختار الشاعر عنواناً يتميز بقدر كبير من الابتكار الفني:

«أشم بصوتكِ زهر الروابي»

ويقوم هذا العنوان على ظاهرة بلاغية تُعرف باسم تراسل الحواس.

فالصوت يُسمع عادة، أما الزهر فيُشم، لكن الشاعر يدمج الحاستين معاً في صورة واحدة.

وهذا التداخل الحسي لا يعكس مجرد براعة لغوية، بل يشير إلى أن أثر المخاطبة قد بلغ درجة من العمق جعلت صوتها يتحول إلى عطر يملأ الوجدان.

إن العنوان هنا لا يصف علاقة حسية عادية، وإنما يقدم تجربة وجدانية تتجاوز حدود الإدراك المباشر لتدخل عالم التأثير النفسي والروحي.

ومن منظور علم النفس الجمالي فإن تراسل الحواس يعد من المؤشرات الدالة على شدة الانفعال وعمق التفاعل العاطفي، حيث تتداخل المدركات الحسية في الوعي لتكوين تجربة شعورية مركبة.

ثالثاً: الطبيعة بوصفها الحقل الرمزي للقصيدة

من السمات البارزة في هذه القصيدة كثافة حضور الطبيعة بوصفها مصدراً رئيساً للصور الشعرية.

فالشاعر يستدعي مجموعة واسعة من المفردات الطبيعية:

الزهر.

الروابي.

الربيع.

الأشجار.

النسيم.

النجوم.

السماء.

القمر.

المطر.

ولا تأتي هذه المفردات بشكل عفوي، وإنما تتشكل ضمن نسق رمزي متكامل.

فالزهر يرمز إلى النقاء والجمال.

والربيع يرمز إلى التجدد والانبعاث.

والنجوم ترمز إلى الهداية والإشراق.

أما المطر فيمثل الخصب والحياة والعطاء.

وتكشف هذه الرموز عن رؤية تفاؤلية للحياة تجعل من الجمال الطبيعي مرآة للجمال الإنساني.

ويلاحظ أن الشاعر لا يصف الطبيعة لذاتها، بل يجعلها أداة للكشف عن صفات المخاطبة وأثرها النفسي والوجداني.

رابعاً: تراسل الحواس وأثره في تعميق التجربة الشعورية

يُعد تراسل الحواس من أبرز الظواهر الفنية في القصيدة.

ويقوم هذا الأسلوب على نقل صفات حاسة معينة إلى حاسة أخرى.

فعندما يقول الشاعر إنه يشم الصوت، فإنه لا يتحدث عن حدث واقعي، بل عن تجربة شعورية عميقة تجعل الحواس تتداخل وتتحد.

وقد أثبتت الدراسات الحديثة في علم النفس الإدراكي أن الإنسان في حالات الانفعال الشديد قد يميل إلى دمج الخبرات الحسية المختلفة في تجربة واحدة متكاملة.

ولهذا السبب تبدو صور القصيدة قادرة على التأثير في المتلقي؛ لأنها لا تخاطب العقل وحده، بل تخاطب منظومة الإدراك الحسي والوجداني بأكملها.

خامساً: الجمال بين الحس والقيمة

من أبرز خصائص القصيدة أنها لا تحصر الجمال في الجانب الشكلي أو الحسي.

فبعد أن يشبه الشاعر المخاطبة بالنجوم والضوء والسماء، ينتقل إلى تشبيهات ذات طبيعة أخلاقية وإنسانية مثل:

الكرم.

الوفاء.

التضحية.

النصر.

وهذا الانتقال يكشف عن فلسفة جمالية ناضجة ترى أن الجمال الحقيقي لا يقتصر على المظهر، بل يمتد إلى السلوك والقيم والمواقف.

ومن هنا فإن القصيدة لا تقدم صورة لشخص جميل فحسب، وإنما تقدم نموذجاً إنسانياً متكاملاً يجمع بين الجمال الظاهر والجمال الباطن.

سادساً: الرؤية الإنسانية الكامنة خلف النص

عند التأمل العميق في القصيدة يتبين أن الشاعر لا يحتفي بفرد بعينه بقدر ما يحتفي بمعنى إنساني أوسع.

فالمخاطبة تتحول تدريجياً إلى رمز:

للأمل.

للجمال.

للوفاء.

للخير.

للطمأنينة.

وهذا ما يمنح النص طابعاً إنسانياً عاماً يجعله قابلاً للتأويل في سياقات متعددة.

فالقارئ قد يرى في المخاطبة شخصاً معيناً، وقد يراها رمزاً للحياة الجميلة، أو للذكريات النقية، أو للقيم التي تمنح الوجود معناه.

خلاصة الفصل

تكشف الدراسة النظرية لقصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» أن الشاعر الدكتور محمد الجاغوب قد بنى نصه على منظومة متكاملة من الصور الشعرية والرموز الطبيعية وتراسل الحواس، مما أتاح للقصيدة أن تتجاوز حدود الوصف التقليدي إلى فضاء جمالي وإنساني أرحب.

كما يتضح أن الصورة الشعرية في هذا النص لا تؤدي وظيفة فنية فحسب، بل تمثل أداة للكشف عن أعماق النفس الإنسانية وعن حاجتها الدائمة إلى الجمال والأمل والوفاء. ولهذا فإن القصيدة تقدم نموذجاً متميزاً للشعر الوجداني المعاصر الذي يحقق التوازن بين الإبداع الفني والرسالة الإنسانية، ويؤكد قدرة الكلمة الجميلة على صناعة المعنى وإحياء الروح وترسيخ القيم الرفيعة.

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر 

***

الفصل الثاني البنية النفسية والوجدانية في قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي»

بقلم: العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر

مقدمة الفصل

تُعدّ التجربة النفسية جوهر العمل الشعري وأساسه؛ فالشعر في حقيقته ليس مجرد بناء لغوي أو تشكيل جمالي للكلمات، بل هو انعكاس لحركة النفس الإنسانية في لحظات تأملها وانفعالها وتفاعلها مع العالم من حولها. وكلما استطاع الشاعر أن ينفذ إلى أعماق النفس البشرية وأن يصوغ مشاعرها بلغة صادقة ومؤثرة، ازداد النص الأدبي قدرة على البقاء والتأثير.

وتكشف قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» عن عالم نفسي غني تتداخل فيه مشاعر الإعجاب والمحبة والحنين والأمل والامتنان، لتشكل معاً لوحة وجدانية متكاملة تعبر عن حاجة الإنسان الدائمة إلى الجمال النفسي وإلى العلاقات الإنسانية التي تمنحه الطمأنينة والمعنى.

ومن هذا المنطلق، يسعى هذا الفصل إلى دراسة الأبعاد النفسية والوجدانية للقصيدة وتحليل بنيتها الشعورية في ضوء مفاهيم علم النفس الأدبي وعلم النفس الإيجابي.

أولاً: المشاعر الإيجابية بوصفها المحرك الرئيس للنص

تقوم القصيدة منذ بدايتها على منظومة من المشاعر الإيجابية التي تسيطر على البناء الشعوري العام.

فالشاعر لا يتحدث من موقع الألم أو الصراع أو الرفض، وإنما يتحدث من موقع الإعجاب والتقدير والانجذاب الوجداني.

وتظهر هذه المشاعر من خلال تكرار عبارات الإشادة والانبهار التي تجعل المخاطبة محوراً للجمال والبهجة.

ومن منظور علم النفس الإيجابي، فإن المشاعر الإيجابية لا تؤدي وظيفة انفعالية مؤقتة فقط، بل تسهم في:

توسيع آفاق التفكير.

تعزيز المرونة النفسية.

تنمية القدرة على التكيف.

زيادة الشعور بالرضا عن الحياة.

ولذلك تبدو القصيدة وكأنها رحلة نفسية نحو استعادة التوازن الداخلي من خلال التأمل في مصادر الجمال والخير.

ثانياً: أثر الكلمة الجميلة في البناء النفسي للإنسان

من أهم المحاور النفسية التي تتناولها القصيدة أثر الكلمة الطيبة في النفس البشرية.

فالشاعر لا يصف جمال المخاطبة فحسب، بل يركز بصورة واضحة على جمال حديثها وكلماتها.

ويصور هذه الكلمات على أنها:

رحيق يذوب في النفس.

عطر يفوح في الوجدان.

موسيقى توقظ المشاعر.

قوة تبعث الأمل.

وهذا المعنى ينسجم مع نتائج العديد من الدراسات النفسية التي تؤكد أن الكلمات الإيجابية تمارس تأثيراً مباشراً في الحالة النفسية للفرد، وأن لغة التشجيع والدعم والاحترام تسهم في تعزيز الشعور بالأمان والانتماء والتقدير الذاتي.

ومن هنا تتحول الكلمة في القصيدة من وسيلة للتواصل إلى وسيلة للبناء النفسي وإعادة تشكيل الخبرة الشعورية للإنسان.

ثالثاً: الذاكرة الوجدانية واستدعاء الزمن الجميل

تمثل الذاكرة أحد المحاور الرئيسة في البناء النفسي للقصيدة.

فكلمات المخاطبة لا تثير الانفعال اللحظي فقط، بل توقظ لدى الشاعر مخزوناً من الذكريات القديمة المرتبطة بأزمنة جميلة وتجارب إنسانية عميقة.

وتشير البحوث النفسية إلى أن الذاكرة الوجدانية تختلف عن الذاكرة المعرفية؛ فهي لا تستحضر الأحداث كما وقعت فحسب، بل تستعيد المشاعر المرتبطة بها.

ولهذا نجد أن الشاعر لا يصف تفاصيل الماضي، وإنما يركز على أثره النفسي، حيث تتحول الذكريات إلى مصدر للدفء العاطفي وإلى وسيلة لمقاومة الشعور بالغربة والاغتراب.

فالإنسان لا يعيش بالحاضر وحده، بل يعيش أيضاً بما يحتفظ به من صور جميلة تشكل جزءاً من هويته النفسية.

رابعاً: الحنين بوصفه آلية نفسية لاستعادة التوازن

الحنين من أكثر الظواهر النفسية حضوراً في النص.

غير أن الحنين في هذه القصيدة لا يأخذ صورة البكاء على الماضي أو الهروب من الواقع، بل يظهر بوصفه عملية نفسية إيجابية تساعد الإنسان على إعادة الاتصال بجوانب الجمال التي عاشها سابقاً.

فالحنين هنا يؤدي عدة وظائف نفسية:

الوظيفة التعويضية

إذ يخفف من وطأة الضغوط والحرمان النفسي.

الوظيفة العلاجية

حيث يساعد الإنسان على تجاوز مشاعر الوحدة واليأس.

الوظيفة الوجودية

إذ يمنحه شعوراً بالاستمرارية والاتصال بين ماضيه وحاضره.

ومن ثم يصبح الحنين في القصيدة طاقة إيجابية تدفع نحو الحياة بدلاً من أن تكون سبباً في الانغلاق أو الانسحاب.

خامساً: مقاومة اليأس وإحياء الأمل

تتضمن القصيدة بعداً نفسياً بالغ الأهمية يتمثل في مقاومة مشاعر اليأس.

فالشاعر يشير إلى أن كلمات المخاطبة قادرة على إزالة ظلال الإحباط الثقيلة التي تراكمت عبر الزمن.

وهنا تتجلى إحدى أهم وظائف الأدب الإنساني، وهي قدرته على بعث الأمل في النفس.

ويُعرّف علماء النفس الأمل بأنه قدرة الفرد على رؤية إمكانات إيجابية للمستقبل رغم التحديات والصعوبات.

وتكشف القصيدة عن هذا المعنى بوضوح؛ إذ تتحول اللغة الجميلة إلى قوة رمزية قادرة على فتح نوافذ الضوء في مواجهة العتمة النفسية.

سادساً: الحاجة الإنسانية إلى التقدير والجمال

من الثابت في علم النفس الإنساني أن الإنسان يحتاج إلى الشعور بالتقدير والقبول والحب بقدر حاجته إلى الأمن المادي.

وتبرز القصيدة هذه الحقيقة بصورة فنية راقية؛ فالمخاطبة لا تمنح الشاعر مجرد كلمات، بل تمنحه شعوراً بالقيمة والمعنى والجمال.

ولهذا السبب تتجاوز القصيدة حدود العلاقة الشخصية لتلامس إحدى الحاجات الإنسانية الأساسية، وهي الحاجة إلى وجود أشخاص يضيفون إلى حياتنا المعنى والطمأنينة.

إن الإنسان لا يتغذى بالخبز وحده، بل يتغذى أيضاً بالكلمة الطيبة والمشاعر النبيلة والعلاقات الإنسانية الصادقة.

سابعاً: القصيدة في ضوء علم النفس الإيجابي

يمكن قراءة القصيدة من منظور علم النفس الإيجابي بوصفها نصاً يحتفي بالعوامل النفسية التي تعزز جودة الحياة.

ومن أبرز هذه العوامل:

الامتنان

ويتجلى في تقدير الشاعر للأثر الإيجابي الذي تتركه المخاطبة في نفسه.

التفاؤل

ويتجلى في النظرة المشرقة للحياة والإنسان.

الجمال

حيث يتحول إدراك الجمال إلى مصدر للسعادة النفسية.

المعنى

إذ تمنح الكلمات الجميلة للحياة قيمة أعمق وأغنى.

الأمل

الذي يظهر بوصفه القوة القادرة على مواجهة اليأس.

وبذلك تصبح القصيدة نموذجاً للأدب الذي يسهم في بناء الصحة النفسية وتعزيز المناعة الوجدانية لدى الإنسان.

ثامناً: البعد العلاجي للأدب في القصيدة

تكشف هذه القصيدة عن حقيقة مهمة مفادها أن الأدب ليس ترفاً فكرياً، بل قد يكون أداة علاجية فعالة.

فالكلمات الجميلة والصور المشرقة والذكريات الإيجابية التي يستحضرها النص تؤدي دوراً قريباً مما يعرف في علم النفس بـ«العلاج بالسرد» أو «العلاج بالكتابة التعبيرية».

فالشاعر يعيد تنظيم خبرته النفسية ويمنحها معنى جمالياً يساعده على تجاوز الضغوط والانفعالات السلبية.

ومن هنا تتجلى الوظيفة الإنسانية الكبرى للأدب بوصفه وسيلة لترميم النفس وإعادة بناء التوازن الداخلي.

خاتمة الفصل

أظهرت الدراسة النفسية لقصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» أن الشاعر الدكتور محمد الجاغوب قد شيد نصه على منظومة متكاملة من المشاعر الإيجابية التي تتمحور حول الأمل والجمال والامتنان والحنين والوفاء. وقد استطاع أن يجعل من الكلمة الجميلة قوة نفسية فاعلة قادرة على إحياء الذكريات المشرقة، ومقاومة اليأس، واستعادة التوازن الوجداني.

كما كشفت القصيدة عن عمق العلاقة بين الأدب والصحة النفسية، مؤكدة أن الشعر الحقيقي لا يكتفي بإمتاع القارئ جمالياً، بل يسهم في بناء الإنسان نفسياً وروحياً، ويمنحه القدرة على اكتشاف المعنى والجمال وسط تحديات الحياة.

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الدكتور زهير شاكر 

***

الفصل الثالث البنية البلاغية والفنية وجماليات اللغة الشعرية في قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي»

بقلم: العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر

مقدمة الفصل

تُعدّ اللغة الأداة الأساسية التي يُشيِّد بها الشاعر عالمه الفني، وهي الوعاء الذي تتجسد فيه الرؤية الفكرية والتجربة الوجدانية والصورة الجمالية. وكلما امتلك الشاعر القدرة على توظيف اللغة توظيفاً إبداعياً، ازدادت قدرة النص على التأثير والإقناع والإمتاع.

وتتميز قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» بثروة بلاغية وفنية واضحة، تجعلها نموذجاً للنص الشعري الذي تتكامل فيه الموسيقى والصورة والرمز والإيقاع والدلالة. فالشاعر لا يعتمد على الزخرفة اللفظية المجردة، وإنما يوظف الأدوات البلاغية لخدمة التجربة الشعورية وإيصالها إلى المتلقي بأعلى درجات التأثير.

ويهدف هذا الفصل إلى تحليل البناء البلاغي والفني للقصيدة، والكشف عن أسرار جمالها اللغوي وطاقتها التعبيرية.

أولاً: اللغة الشعرية بين البساطة والعمق

من أبرز خصائص القصيدة اعتمادها على لغة واضحة وسلسة بعيدة عن الغموض والتعقيد.

إلا أن هذه البساطة الظاهرة لا تعني فقر الدلالة، بل على العكس، فهي تخفي وراءها مستويات متعددة من المعاني والإيحاءات.

وتُعد هذه الخاصية من سمات الشعر الناضج؛ إذ يستطيع الشاعر أن يوصل أفكاره ومشاعره بلغة قريبة من المتلقي دون أن يفقد النص عمقه الفني.

فاللغة في القصيدة:

رقيقة وعذبة.

غنية بالإيحاء.

بعيدة عن التكلف.

قادرة على إثارة الخيال.

وهذا ما يمنح النص قدرة على مخاطبة مختلف مستويات القراءة، من القراءة الوجدانية البسيطة إلى القراءة النقدية المتعمقة.

ثانياً: التشبيه ودوره في تشكيل الصورة الشعرية

يُعد التشبيه من أكثر الأساليب البلاغية حضوراً في القصيدة.

فالشاعر يقدم المخاطبة من خلال سلسلة من التشبيهات المتتابعة:

كالغزلان.

كالضوء.

كالنجوم.

كالسماء.

كالكرم.

كالوفاء.

كالتضحية.

كالنصر.

وهذه التشبيهات لا تؤدي وظيفة وصفية فقط، بل تسهم في بناء صورة مثالية متكاملة للمخاطبة.

كما أن الشاعر ينتقل من التشبيهات الحسية إلى التشبيهات المعنوية، فينتقل من وصف الجمال الطبيعي إلى وصف الجمال الأخلاقي، مما يضفي على الشخصية الموصوفة بعداً إنسانياً شاملاً.

ومن الناحية الفنية، فإن تراكم التشبيهات يولد حالة من التصاعد الجمالي، حيث تزداد صورة المخاطبة إشراقاً واتساعاً مع تقدم النص.

ثالثاً: الاستعارة وأثرها في تعميق الدلالة

تحتل الاستعارة مكانة بارزة في البناء الفني للقصيدة.

فالاستعارة تمنح اللغة قدرة على تجاوز المعنى المباشر إلى المعنى الرمزي والإيحائي.

ومن أبرز الأمثلة:

شم الصوت.

ذوبان الرحيق في الكلمات.

إزالة ظلال اليأس.

إيقاظ الآمال القديمة.

فهذه الصور لا يمكن فهمها على المستوى الحرفي، وإنما على المستوى المجازي الذي يمنحها عمقاً شعورياً وفكرياً.

وتكمن قوة الاستعارة في أنها تجعل المتلقي مشاركاً في إنتاج المعنى، حيث يضطر إلى الانتقال من المدلول المباشر إلى المدلول الرمزي.

رابعاً: تراسل الحواس بوصفه ذروة الإبداع البلاغي

يمثل تراسل الحواس إحدى أبرز السمات الفنية في القصيدة.

ويظهر بوضوح في العنوان وفي عدد من الصور الشعرية الأخرى.

ويُقصد بتراسل الحواس انتقال صفات حاسة إلى حاسة أخرى، مثل:

رؤية الصوت.

سماع اللون.

شم النور.

وفي القصيدة يتحول الصوت إلى عطر، والكلمات إلى ألوان وأنغام وعناصر طبيعية نابضة بالحياة.

ويؤدي هذا الأسلوب عدة وظائف:

الوظيفة الجمالية

إثراء الصورة الشعرية وإضفاء طابع الابتكار عليها.

الوظيفة النفسية

التعبير عن عمق الانفعال الذي يجعل الحواس تتداخل في التجربة الشعورية.

الوظيفة الرمزية

الإيحاء بأن أثر المخاطبة يتجاوز الحدود المادية المعتادة.

ولهذا يعد تراسل الحواس من أهم مفاتيح فهم جماليات النص.

خامساً: التكرار وأثره الموسيقي والدلالي

يُعد التكرار من الأدوات الفنية البارزة في القصيدة.

ويتجلى خصوصاً في تكرار عبارات الإعجاب والانبهار.

ويؤدي التكرار عدة وظائف:

1. الوظيفة الموسيقية

حيث يسهم في بناء الإيقاع الداخلي للنص.

2. الوظيفة النفسية

إذ يعكس شدة التأثر والانفعال.

3. الوظيفة الدلالية

من خلال تأكيد المعاني الرئيسة وترسيخها في ذهن القارئ.

ويُلاحظ أن التكرار في القصيدة جاء طبيعياً ومنسجماً مع السياق، بعيداً عن الحشو أو التكلف.

سادساً: الموسيقى الشعرية والإيقاع الداخلي

لا تعتمد القصيدة على الموسيقى الخارجية وحدها، بل تمتلك موسيقى داخلية غنية تنبع من:

انسجام المفردات.

تكرار الأصوات الرخيمة.

توالي الصور المتقاربة.

التوازن بين الجمل الشعرية.

وتسهم ألفاظ مثل:

الزهر.

النسيم.

الربيع.

النجوم.

المطر.

في خلق جو موسيقي هادئ ينسجم مع طبيعة التجربة الوجدانية.

كما أن الإيقاع النفسي للنص يتدرج من الإعجاب إلى التأمل ثم إلى الامتنان والدعاء، وهو تدرج يضفي على القصيدة وحدة فنية متماسكة.

سابعاً: الرمز ودوره في توسيع الدلالة

تعتمد القصيدة على مجموعة من الرموز التي تمنح النص أبعاداً تتجاوز المعنى المباشر.

فالضوء لا يمثل ظاهرة طبيعية فحسب، بل يرمز إلى:

الهداية.

الصفاء.

الأمل.

والربيع يرمز إلى:

التجدد.

الحياة.

الانبعاث.

أما المطر فيرمز إلى:

الخير.

العطاء.

الخصب الروحي.

ومن خلال هذه الرموز يتحول النص من وصف تجربة فردية إلى خطاب إنساني شامل.

ثامناً: الوحدة الفنية في القصيدة

من أهم معايير جودة النص الشعري تحقق الوحدة الفنية.

وتتجلى هذه الوحدة في القصيدة من خلال:

وحدة الموضوع

حيث تدور جميع الصور حول أثر المخاطبة في نفس الشاعر.

وحدة الشعور

إذ تسيطر مشاعر الإعجاب والامتنان والتقدير على مجمل النص.

وحدة الصورة

حيث تتكامل عناصر الطبيعة والضوء والعطر والربيع ضمن منظومة دلالية واحدة.

وحدة الإيقاع

إذ تتناغم الموسيقى الداخلية مع الحركة الشعورية للقصيدة.

وهذا التكامل يمنح النص انسجاماً فنياً يجعله أقرب إلى اللوحة الشعرية المتكاملة.

تاسعاً: القصيدة في ضوء النقد البلاغي الحديث

وفقاً لمناهج النقد الحديثة، لا تُقاس قيمة النص بعدد الصور البلاغية التي يتضمنها، بل بمدى فاعلية هذه الصور في خدمة التجربة الشعرية.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن البلاغة في هذه القصيدة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للتعبير عن تجربة إنسانية عميقة.

فالصور والاستعارات والتشبيهات والرموز تعمل جميعها ضمن منظومة واحدة تهدف إلى نقل أثر الجمال الإنساني في النفس، وإبراز قدرة الكلمة الطيبة على إحياء الأمل وترميم الوجدان.

خاتمة الفصل

تكشف الدراسة البلاغية والفنية لقصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» أن الشاعر الدكتور محمد الجاغوب يمتلك قدرة متميزة على توظيف الأدوات البلاغية في خدمة الرؤية الشعرية. فقد استطاع من خلال التشبيه والاستعارة والرمز وتراسل الحواس والتكرار أن يبني عالماً لغوياً غنياً بالإيحاء والجمال.

كما أظهرت القصيدة توازناً واضحاً بين البساطة والعمق، وبين العاطفة والفكر، وبين الموسيقى والدلالة، الأمر الذي جعلها نموذجاً للشعر الوجداني الراقي الذي يجمع بين الإبداع الفني والرسالة الإنسانية.

وتؤكد هذه الدراسة أن القيمة الجمالية للنص لا تكمن في جمال ألفاظه فحسب، بل في قدرته على تحويل اللغة إلى تجربة شعورية وفكرية متكاملة، تجعل القارئ يعيش الجمال قبل أن يقرأه.

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر 

***

الفصل الرابع الأبعاد الفلسفية والإنسانية والقيمية في قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي»

بقلم: العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر

مقدمة الفصل

لا تقتصر قيمة العمل الشعري على ما يقدمه من صور جمالية أو مشاعر وجدانية، بل تمتد إلى ما يحمله من رؤى فكرية وأبعاد فلسفية وإنسانية تسهم في بناء وعي الإنسان وتشكيل نظرته إلى الحياة. فالشعر العظيم لا يكتفي بوصف الجمال، وإنما يسعى إلى اكتشاف معناه، ولا يكتفي بالتعبير عن المشاعر، بل يحاول تفسيرها وربطها بالقيم الكبرى التي تمنح الوجود الإنساني دلالته وهدفه.

ومن هذا المنطلق، تكشف قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» للشاعر الدكتور محمد الجاغوب عن منظومة فكرية وقيمية متكاملة تتجاوز حدود التجربة الشخصية إلى آفاق إنسانية أرحب، حيث تتحول المخاطبة من شخص محدد إلى رمز للجمال والخير والوفاء والأمل، وتتحول الكلمات إلى وسيلة لإحياء المعنى الإنساني في عالم تزداد فيه مظاهر القلق والاغتراب.

ويهدف هذا الفصل إلى تحليل الأبعاد الفلسفية والإنسانية والقيمية الكامنة في القصيدة، والكشف عن الرؤية الحضارية التي تتضمنها.

أولاً: فلسفة الجمال في القصيدة

من أبرز القضايا الفكرية التي تطرحها القصيدة مفهوم الجمال.

فالشاعر لا ينظر إلى الجمال باعتباره صفة شكلية أو مظهراً خارجياً فحسب، بل يقدمه بوصفه قيمة إنسانية شاملة.

وتتجلى هذه الرؤية في انتقاله من وصف المخاطبة بعناصر الطبيعة:

الغزلان.

النجوم.

الضوء.

السماء.

إلى وصفها بمنظومة من القيم الأخلاقية:

الكرم.

الوفاء.

التضحية.

النصر.

وهذا الانتقال يكشف عن فلسفة جمالية ترى أن الجمال الحقيقي لا ينفصل عن الخير، وأن القيمة الأخلاقية تمثل أحد أرقى أشكال الجمال الإنساني.

فالجمال في هذه القصيدة ليس جمال الصورة وحدها، بل جمال الروح والموقف والسلوك.

ثانياً: الإنسان بوصفه كائناً يبحث عن المعنى

تكشف القصيدة عن حقيقة وجودية مهمة، وهي أن الإنسان لا يعيش بالمادة وحدها، بل يحتاج إلى المعنى ليواصل رحلته في الحياة.

فالكلمات الجميلة التي تصدر عن المخاطبة لا تُحدث أثراً عابراً، بل تعيد للشاعر الشعور بقيمة الحياة وجمالها.

ومن منظور الفلسفة الوجودية، فإن المعنى يمثل أحد أهم الحاجات النفسية والروحية للإنسان.

وعندما يشعر الإنسان بأن حياته تفتقر إلى المعنى، تظهر مشاعر:

الفراغ.

العبث.

الاغتراب.

اليأس.

أما عندما يجد مصادر للمعنى، فإنه يصبح أكثر قدرة على التكيف والصمود والعطاء.

وفي القصيدة تتحول الكلمة الجميلة إلى مصدر للمعنى، وتصبح العلاقة الإنسانية الصادقة وسيلة لاستعادة التوازن الوجودي.

ثالثاً: الكلمة بوصفها قوة حضارية

تؤكد القصيدة مكانة الكلمة في بناء الإنسان والمجتمع.

فالكلمات في النص ليست أصواتاً عابرة، وإنما قوة فاعلة قادرة على:

إحياء الأمل.

إيقاظ الذكريات.

إزالة اليأس.

بث الطمأنينة.

وهذا التصور يتفق مع التراث الحضاري العربي والإسلامي الذي منح الكلمة مكانة مركزية في بناء الفكر والوعي.

فالكلمة قد تكون أداة إصلاح أو أداة هدم، وقد تكون مصدراً للنور أو سبباً في انتشار الظلام.

ومن هنا تبرز الرسالة الضمنية للقصيدة التي تدعو إلى إعادة الاعتبار للكلمة الطيبة باعتبارها إحدى أهم أدوات البناء الحضاري.

رابعاً: الوفاء بوصفه قيمة إنسانية عليا

من القيم الأساسية التي تتجلى في القصيدة قيمة الوفاء.

فالوفاء لا يظهر بوصفه صفة عابرة، بل بوصفه ركناً من أركان الجمال الإنساني.

والوفاء في معناه العميق يعبر عن:

الثبات على المبادئ.

حفظ الجميل.

صدق المشاعر.

استمرارية العلاقات الإنسانية.

وفي عصر تتسارع فيه المصالح وتتغير فيه المواقف بسرعة، تبدو هذه القيمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ومن هنا فإن القصيدة لا تحتفي بشخصية معينة فقط، بل تحتفي بفكرة الوفاء باعتبارها ضرورة أخلاقية واجتماعية وإنسانية.

خامساً: الأمل ومقاومة العبث الوجودي

يحضر الأمل في القصيدة بوصفه قوة نفسية وفلسفية في آن واحد.

فالشاعر لا ينكر وجود الألم أو الغربة أو اليأس، لكنه يؤمن بقدرة الجمال والكلمة الطيبة على تجاوز هذه الحالات.

ومن الناحية الفلسفية، يمثل الأمل موقفاً وجودياً يرفض الاستسلام للعبث والعدم.

إن الإنسان الذي يمتلك الأمل يستطيع أن يرى إمكانات المستقبل رغم الصعوبات، وأن يحافظ على إنسانيته رغم الضغوط.

ولهذا تبدو القصيدة وكأنها دعوة إلى التمسك بالأمل بوصفه قيمة أخلاقية وحضارية، وليس مجرد شعور عابر.

سادساً: العلاقة بين الجمال والخير

من الأفكار الفلسفية العميقة التي تتضمنها القصيدة الربط بين الجمال والخير.

فالشاعر لا يفصل بينهما، بل يجعلهما وجهين لحقيقة واحدة.

فالإنسان الجميل في نظره ليس من يمتلك الملامح الحسنة فقط، وإنما من يجمع بين:

جمال الروح.

جمال الفكر.

جمال السلوك.

جمال المشاعر.

وهذه الرؤية تنتمي إلى تيار فلسفي قديم يرى أن القيم العليا مترابطة، وأن الجمال الحقيقي يقود إلى الخير، كما يقود الخير إلى الجمال.

ومن ثم تصبح القصيدة دعوة إلى إعادة تعريف الجمال بعيداً عن النزعة المادية الضيقة.

سابعاً: البعد الإنساني العالمي للقصيدة

على الرغم من خصوصية التجربة الشعرية، فإن القصيدة تمتلك طابعاً إنسانياً عالمياً.

فالحديث عن:

الأمل.

الوفاء.

الذكريات.

الجمال.

الكلمة الطيبة.

هو حديث يمس الإنسان في كل زمان ومكان.

ولهذا يمكن للقارئ من أي ثقافة أن يجد في النص ما يلامس تجربته الإنسانية الخاصة.

وهذا ما يمنح القصيدة قيمة تتجاوز حدود اللغة والبيئة والمكان.

ثامناً: القصيدة بوصفها رسالة أخلاقية وجمالية

لا تقدم القصيدة خطاباً وعظياً مباشراً، لكنها تحمل رسالة أخلاقية واضحة.

فمن خلال الصور الشعرية والعاطفة الصادقة يؤكد الشاعر مجموعة من القيم الأساسية:

أهمية الكلمة الطيبة.

ضرورة الوفاء.

قيمة الجمال الروحي.

دور الأمل في الحياة.

أهمية العلاقات الإنسانية الصادقة.

وهذه الرسالة لا تُفرض على القارئ، بل تصل إليه من خلال الجمال الفني، وهو ما يجعل تأثيرها أعمق وأكثر استدامة.

تاسعاً: الرؤية الحضارية للنص

يمكن النظر إلى القصيدة باعتبارها نموذجاً للأدب الذي يسهم في بناء الإنسان حضارياً.

فالأمم لا تُبنى بالاقتصاد والتقنية وحدهما، وإنما تُبنى أيضاً بالقيم والمعاني والجمال.

والأدب الذي يعزز:

الأمل.

الوفاء.

الإحسان.

المحبة.

الجمال.

يسهم بصورة مباشرة في ترسيخ المناعة الأخلاقية والثقافية للمجتمعات.

ومن هذا المنظور تتجاوز القصيدة حدود التجربة الفردية لتصبح مساهمة في ترسيخ ثقافة إنسانية قائمة على الخير والجمال.

خاتمة الفصل

أظهرت الدراسة الفلسفية والإنسانية لقصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» أن الشاعر الدكتور محمد الجاغوب لم يكتب نصاً وجدانياً فحسب، بل قدم رؤية إنسانية متكاملة تجعل من الجمال قيمة أخلاقية، ومن الكلمة رسالة حضارية، ومن الوفاء والأمل ركيزتين أساسيتين في بناء الإنسان.

كما كشفت القصيدة عن ارتباط عميق بين الجمال والخير والمعنى، مؤكدة أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا حياة متوازنة دون أن يمتلك مصادر روحية ووجدانية تمنحه القدرة على مواجهة الاغتراب واليأس.

وتؤكد هذه الرؤية أن الأدب الحقيقي ليس مجرد متعة فنية، بل هو قوة ثقافية وحضارية تسهم في الارتقاء بالإنسان وترسيخ القيم النبيلة وإحياء المعنى في الحياة.

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر 

***

الفصل الخامس القراءة النقدية الشاملة والتقويم الأدبي والفني لقصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي»

بقلم: العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر

مقدمة الفصل

تمثل القراءة النقدية المرحلة الأخيرة في دراسة النص الأدبي، إذ تسعى إلى الكشف عن عناصر القوة والجمال فيه، وتحديد موقعه ضمن سياقه الأدبي والفكري، وتحليل مدى نجاحه في تحقيق أهدافه الفنية والإنسانية. ولا يقتصر النقد الأدبي الحديث على إصدار الأحكام، بل يتجاوز ذلك إلى فهم البنية العميقة للنص، واستكشاف علاقاته الجمالية والنفسية والثقافية.

وبعد استعراض الجوانب الجمالية والنفسية والبلاغية والفلسفية في الفصول السابقة، تأتي هذه الدراسة الختامية لتقديم رؤية نقدية شاملة لقصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» للشاعر الدكتور محمد الجاغوب، بوصفها نصاً يجمع بين رهافة الحس، وعمق التجربة، وجمال الصياغة، وسمو الرسالة الإنسانية.

أولاً: موقع القصيدة ضمن الشعر الوجداني المعاصر

تنتمي القصيدة إلى تيار الشعر الوجداني الذي يقوم على التعبير عن التجربة الإنسانية من خلال لغة مشبعة بالعاطفة والصور الجمالية.

غير أن النص لا يقع في حدود الغزل التقليدي أو التعبير العاطفي المباشر، بل يتجاوز ذلك إلى بناء تجربة إنسانية تتداخل فيها:

العاطفة.

التأمل.

الذاكرة.

القيم الإنسانية.

ومن هنا يمكن اعتبار القصيدة نموذجاً للشعر الوجداني الحديث الذي يربط بين التجربة الفردية والأسئلة الإنسانية الكبرى.

ثانياً: صدق التجربة الشعرية

يُعد الصدق الفني أحد أهم معايير جودة العمل الأدبي.

ولا يعني الصدق الفني التطابق الحرفي مع الواقع، بل يعني قدرة النص على إقناع القارئ بصدق المشاعر التي يعبر عنها.

وتتميز القصيدة بدرجة عالية من الصدق الوجداني، ويتجلى ذلك في:

انسيابية العاطفة.

غياب التكلف.

التدرج الطبيعي للمشاعر.

الانسجام بين اللغة والانفعال.

ويشعر القارئ أن الشاعر لا يفتعل الإعجاب أو يبالغ فيه، بل ينقل تجربة شعورية حقيقية تنبض بالحياة.

ثالثاً: قوة الصورة الشعرية

تشكل الصورة الشعرية العمود الفقري للقصيدة.

وقد نجح الشاعر في بناء شبكة متكاملة من الصور التي تعتمد على:

الطبيعة.

الضوء.

العطر.

الربيع.

الموسيقى.

الذاكرة.

وتتميز هذه الصور بعدة خصائص:

الأصالة

حيث تبتعد عن التكرار والاستنساخ.

الإيحاء

إذ تفتح المجال أمام تعدد التأويلات.

الانسجام

حيث ترتبط جميع الصور ضمن منظومة دلالية واحدة.

الحيوية

إذ تمنح النص حركة مستمرة وتدفقاً شعورياً متصاعداً.

ولهذا تشكل الصورة الشعرية أحد أبرز عناصر التميز في القصيدة.

رابعاً: التوازن بين العاطفة والفكر

من المشكلات التي تواجه بعض النصوص الشعرية المعاصرة طغيان العاطفة على الفكر أو الفكر على العاطفة.

أما في هذه القصيدة، فنجد توازناً واضحاً بين الجانبين.

فالعاطفة حاضرة بقوة من خلال مشاعر الإعجاب والامتنان والحنين.

وفي الوقت نفسه يحضر الفكر من خلال التأمل في:

الجمال.

الوفاء.

الكلمة.

الأمل.

العلاقات الإنسانية.

وهذا التوازن يمنح النص عمقاً ويجعله قادراً على مخاطبة القلب والعقل معاً.

خامساً: القيمة النفسية للقصيدة

من أهم ما يميز القصيدة قدرتها على تعزيز المشاعر الإيجابية لدى القارئ.

فالنص يشيع أجواء من:

الطمأنينة.

الجمال.

التفاؤل.

الامتنان.

الأمل.

وتشير الدراسات الحديثة في علم النفس الإيجابي إلى أن الأعمال الأدبية التي تركز على هذه القيم تسهم في تعزيز الصحة النفسية وزيادة المرونة الوجدانية.

ومن هذا المنظور يمكن اعتبار القصيدة نموذجاً للأدب الذي يجمع بين القيمة الجمالية والقيمة العلاجية.

سادساً: القيمة اللغوية والأسلوبية

تتميز لغة القصيدة بعدد من الخصائص الأسلوبية المهمة:

السلاسة

حيث تأتي الألفاظ واضحة ومتناغمة.

الرقة

إذ تنسجم المفردات مع طبيعة التجربة الوجدانية.

الكثافة الدلالية

فالكلمات القليلة تحمل معاني واسعة وعميقة.

الإيقاع الداخلي

الذي يتولد من التكرار والتوازن والانسجام الصوتي.

وقد أسهمت هذه الخصائص في جعل النص قريباً من المتلقي دون أن يفقد قيمته الفنية.

سابعاً: البعد الإنساني والحضاري

تتجاوز القصيدة حدود التجربة الشخصية لتلامس قضايا إنسانية عامة.

فهي تحتفي بقيم:

الوفاء.

الجمال.

الكلمة الطيبة.

الأمل.

الامتنان.

وهذه القيم تمثل أساساً لبناء العلاقات الإنسانية السليمة والمجتمعات المتماسكة.

ومن هنا تكتسب القصيدة بعداً حضارياً يجعلها أكثر من مجرد نص شعري؛ إذ تصبح دعوة ثقافية وأخلاقية إلى ترسيخ الجمال في الفكر والسلوك.

ثامناً: ملامح الإبداع والتميز في القصيدة

يمكن تلخيص أبرز عناصر الإبداع في النص في النقاط الآتية:

عنوان مبتكر يقوم على تراسل الحواس ويختزل الرؤية الشعرية للنص.

صور شعرية غنية تجمع بين الحس والرمز والإيحاء.

توظيف بارع للطبيعة بوصفها مرآة للمشاعر الإنسانية.

لغة شفافة وعذبة تجمع بين البساطة والعمق.

رسالة إنسانية راقية تدعو إلى الجمال والوفاء والأمل.

انسجام فني واضح بين الشكل والمضمون.

قدرة عالية على التأثير النفسي والوجداني في المتلقي.

تاسعاً: التقويم النقدي العام

في ضوء التحليل السابق يمكن القول إن قصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» تمثل تجربة شعرية ناضجة استطاعت أن تحقق مجموعة من الشروط الأساسية للنص الأدبي المتميز:

صدق التجربة.

جمال الصورة.

عمق الدلالة.

سلامة البناء الفني.

وضوح الرسالة الإنسانية.

كما أن الشاعر نجح في تحويل تجربة وجدانية خاصة إلى تجربة إنسانية عامة يمكن أن يتفاعل معها مختلف القراء.

ولهذا تحتل القصيدة موقعاً متقدماً ضمن نماذج الشعر الوجداني المعاصر الذي يجمع بين الحس الجمالي والرؤية الإنسانية.

الخاتمة العامة للدراسة

تكشف القراءة النقدية الشاملة لقصيدة «أشم بصوتكِ زهر الروابي» للشاعر الدكتور محمد الجاغوب عن نص أدبي ثري يجمع بين جمال اللغة وعمق الشعور وسمو القيم الإنسانية. وقد استطاع الشاعر أن يبني عالماً شعرياً تتداخل فيه الطبيعة والذاكرة والعاطفة والفكر ضمن نسيج فني متماسك يقوم على الرمز والإيحاء وتراسل الحواس.

كما أثبتت الدراسة أن القصيدة تتجاوز حدود التعبير الوجداني المباشر لتصبح خطاباً إنسانياً يحتفي بالجمال والوفاء والكلمة الطيبة والأمل، ويؤكد الدور الحضاري للأدب في بناء النفس والارتقاء بالذوق العام وترسيخ القيم النبيلة.

وبذلك تمثل هذه القصيدة نموذجاً مضيئاً للشعر العربي المعاصر الذي يجمع بين الأصالة الفنية والرسالة الإنسانية، ويبرهن على أن الكلمة الجميلة ما زالت قادرة على أن تكون جسراً بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان والعالم، وبين الجمال والحقيقة والخير.

جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر

قصيدة الدكتور محمد الجاغوب بعنوان: (أشم بصوتكِ زهرَ الروابي) مترجمة من اللغة العربية I Smell the Blossoms of the Hills in Your Voice 🌿 How wondrous you are, like the gazelles, and your voice, sweet and melodious. It comes in the evening like the flutter of a string, and how wondrous you are, like the light, moving gracefully, melting darkness and clearing gloom. How wondrous you are, like the stars, and like the sky, where shines the light of the moon. How wondrous you are, like generosity, like faithfulness, like sacrifice, and like victory. I seem to smell your voice, the blossoms of the hills, from which fragrance spreads and floats. I seem to see you, the beautiful spring, radiant, and the trees leafed anew, while the breeze whispers through the air. I seem to see you, sweet slumber, slipping softly through the wakeful eyelid. Your words are nectar melting, the color of agate, the magic of sparkle, and the perfume of enchantment dwelling in the soul. Your words are the birds’ song, the blooming flowers, the whispering breeze, and the rain’s patter upon the leaves of days. Your words awaken in me ancient hopes, and memories of a beautiful time gone by. Your words remind my heart of the olden days, the magic of speech, and the finest thoughts, sweeping away the dust of long exile, that accumulated and settled. Your words erase the shadows of heavy despair, leaving in my soul a trace of beauty. May time grant you the nectar of wishes, keep you safe from sorrow and harm, bestow upon you goodness wherever you go, and preserve your life from all evil....

 قصيدة الدكتور محمد الجاغوب بعنوان:

(أشم بصوتكِ زهرَ الروابي) مترجمة من اللغة العربية 

I Smell the Blossoms of the Hills in Your Voice 🌿 

How wondrous you are, like the gazelles,

and your voice, sweet and melodious.

It comes in the evening like the flutter of a string,

and how wondrous you are, like the light,

moving gracefully,

melting darkness and clearing gloom.

How wondrous you are, like the stars,

and like the sky,

where shines the light of the moon.

How wondrous you are, like generosity,

like faithfulness,

like sacrifice, and like victory.

I seem to smell your voice,

the blossoms of the hills,

from which fragrance spreads and floats.

I seem to see you, the beautiful spring,

radiant, and the trees leafed anew,

while the breeze whispers through the air.

I seem to see you, sweet slumber,

slipping softly through the wakeful eyelid.

Your words are nectar melting,

the color of agate, the magic of sparkle,

and the perfume of enchantment dwelling in the soul.

Your words are the birds’ song,

the blooming flowers, the whispering breeze,

and the rain’s patter upon the leaves of days.

Your words awaken in me ancient hopes,

and memories of a beautiful time gone by.

Your words remind my heart

of the olden days, the magic of speech,

and the finest thoughts,

sweeping away the dust of long exile,

that accumulated and settled.

Your words erase the shadows of heavy despair,

leaving in my soul a trace of beauty.

May time grant you the nectar of wishes,

keep you safe from sorrow and harm,

bestow upon you goodness wherever you go,

and preserve your life from all evil....

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2014




الأبنية الفنية للنص الشعري

الدكتور محمد الجاغوب - جامعة عمّان العربية 

البناء الفكري والشعوري:

 يشمل البناء الفكري والشعوري مضمونَ القصيدة، وسمات الأفكار وما يكتنفها من سمو وصحة وعمق وإقناع وتسلسل وترابط وتجديد وابتكار، وملامح المدرسة الشعرية التي ينتمي إليها النص، ومنها:

-         المدرسة الاتـّباعية عند شوقي وحافظ  والبارودي، والتي تقوم على الإحياء والبعث وغلبة الخيال الجزئي والصور التقليدية التراثية، والالتزام بالوزن والقافية ووحدة البيت والموضوع، على نحو ما نراه في قصائد (نكبة دمشق) لشوقي و(العمرية) لحافظ وقصيدة (إباء) للبارودي، والعاطفة الإنسانية التي تتجلى من خلالها، كقول حافظ في "العمرية":

ولم يَجُـــز بلدة إلا سمعتَ بها          الله أكبر تدوي في نواحيــها.

وقول البارودي في (إباء):

  وأقتـَلُ داء ٍ رؤية ُ العَيـن ظالمًــا يُسيءُ ويُتلى في المحافل ِ حَمْدُهُ
 عفاءٌ على الدنيا إذا المرءُ لم يَعِشْ بها بَطـَلاً يَحمي الحقيقة َ شـَدُّهُ

-         المدرسة الابتداعية الرومنسية التي تدعو إلى الابتكار والتجديد، ويكثر فيها تشخيص الطبيعة، ويظهر عُمق المعاناة، كما هو الحال عند نازك الملائكة وخليل مطران وشعراء (أبولو) وجماعة (الديوان).  فالمتأمّل  لقصيدة نازك الملائكة (الطفلة البائسة) يلمحُ الجدّة َ والابتكار في تصويرها للضياع الإنساني المتمثـّل في صورة تلك الطفلة التي لم تجد مأوى لها؛ فافترشت رصيف الشارع في ليل بهيم شديد البرد عاتي الريح وغزير المطر:

انتصف الليــلُ ومـلءُ الظلمة أمطارُ
وسكون رطبٌ يصرخ فيه الإعصارُ
الشارع مهجورٌ تـُعْــوِلُ فــيه الريـحُ
تتــوجّـعُ أعمــدة ٌ وتنــوحُ مصابيــحُ
في منعطف الشارع في ركن مقرور ِ
حرسَتْ ظـُلمتـُه شـُرفـة بيت مهـجورِ
كان البرقُ يمـرُّ ويكشفُ جسمَ صبـيّة
رَقـَدَتْ يلسعُها سَوط ُ الريح الشتوية.

فهذه الصورة الحزينة تعكس ما تعانيه الشاعرة ذاتها من اضطراب داخلي.

 البناء التعبيري، ويشمل:

-         الأساليبَ الإنشائية والخبرية كما في قول حافظ في "العمرية":

سلْ قاهر الفرس والرومان هل          شفعتْ له الفتوح وهل أغنى تواليها؟

وخالـــدٌ في سبيـل الله موقـــدها         وخالــــدٌ في سبيـــل الله صاليــــــها!

-         المصاحبات اللغوية كما في قوله:

ما واقعَ الرومَ إلا فرّ قارحُها            ولا رمى الفـرسَ إلا طـاش راميــــها.

فلفظ (واقعَ) يستدعي اللفظ رمى، وكلمة راميها مرتبطة بكلمة (رمى) لأنهما من محيط لغوي واحد، كما أن كلمة (الفرس) تاريخيا تستدعي كلمة (الروم). وكما في قول إيليا أبي ماضي في قصيدة الطين:

وكسا الخــــزُّ جسمَـــه فتباهى          وحـــــوى المــالَ كيسُه فتمــرّد.

فكلمة المال تستدعي كلمة الكيس.

-         الدقة والإيحاء، فأبيات نازك الملائكة تكثر فيها الألفاظ الدالة على الحزن والخوف والوحشة والقلق والشكوى، وتكثر فيها الأفعال المضارعة التي توحي بتجدد الحدث واستمراره، ومنها: يصرخ تتوجّع تنوح يلسع، وهي أفعال مبنية للمعلوم لتوحي بأنّ أسبابَ المأساة واضحة ومفهومة. 
وقصيدة شوقي (نكبة دمشق) فيها ما يدلّ على دقته في انتقاء الألفاظ الموحية:

لحـــاها الله أنبــاء توالــت         على سمع الوليّ بمــا يشق.

فقد اختار لفظة أنباء ولم يقل أخبارا، واختار لفظة الولي بدل الصديق.

-         التوكيد والتقديم والتأخير كقول حافظ:

فخالد كان يدري أنّ صاحبَه        قد وجّه النفسَ نحو الله توجيها.

وقول شوقي:

فــفي القتــلى لأجيال حيــاة       وفي الأسرى فــدى لهمُ وعِـــتقُ

-         التضمين، كمافي قصيدة (لن أبكي) لفدوى طوقان:

"على أبواب يافا يا أحبائي، وفي فوضى حطام الدور بين الردم والشوكِ، وقفتُ وقلتُ للعينين: قفا نبكِ!" تضمين من معلقة امرئ القيس (قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل ِالخ).
" وكان هناك جمعُ البوم والأشباح، غريبَ الوجه ِ واليدِ واللسان! تضمين من قصيدة (شعب بوان) للمتنبي ( ولكنّ الفتى العربيّ فيها غريبُ الوجهِ واليدِ واللسان ِ).

-          ملاءمة الألفاظ لأحاسيس الشاعر، ومن شواهدها قصيدة (إباء) للبارودي التي توحي أبياتها بعدم رضا الشاعر عن تداعيات الأحداث في زمانه، فهو يعيش حالة سخط  على الفاسدين من الوصوليين الذين يتسللون إلى أعلى المراتب بنفاقهم وتزلفهم، وقد دفـَعَهُ انفعاله لانتقاء ألفاظ مثل (وضيع، وغد، ثعالة) لتناسب أحاسيسَه  المستفزّة؛ فيقول:

أبى الدهرُ إلا أنْ يسودَ وضيعُهُ       ويملكَ أعطافَ المطالبِ وَغـْدُهُ
تداعتْ لدركِ الثــأرِ فينا ثـُعـالة ٌ      ونامتْ على طول الوتيرة أسْدُهُ


البناء التصويري، ويشمل:

-          الصورة الكلية المتمثلة في تجسيم الفكرة وتعميق الإحساس العاطفي من خلال صورة شعرية تمثل مشهدا حسيا خارجيا أو جوا نفسيا داخليا، ويتم ذلك عن طريق الرسم بالكلمات التي تعبر عن حالة الشاعر، ومن أمثلة ذلك ما قاله الهمشري في وصف قريته وقد لفـّها المساءُ شتاءً:

وقد نسجتْ أيــدي الشتاء سياجَـها        عليــها وأسوارُ الظــلام تحاصــرُ
وقـد خرجَ الخفاشُ يهـمسُ للـدجى        ودبَّ على الشط الهــوام النـواقـرُ
وطارتْ من الجمّيز تصرخُ بومةٌ        على صوت هرٍّ في الدجى يتشاجرُ
وقـد أوقـدَتْ كـلّ المـآذنِ نورَهـــا        ولاحــتْ على البعــد مني المقابـرُ

فالصورة الكلية في أبيات الهمشري تضمّ عددا من الصور الجزئية التي تجمع بين المرئي والمحسوس، وبين اللون والصوت والحركة، فالخفاش يهمس، والهوام تدبّ على الشط، والبومة تطير وتنعب، وهذه الصور الجزئية المزعجة تعكس الحالة النفسية المتشائمة والكئيبة للشاعر.

-         الصورة الجزئية، وتضمّ التشبيه والاستعارة والكناية.

فمن التشبيه قولُ حافظ إبراهيم عن خالد بن الوليد وقد أتاه قرار العزل العُمَريّ عن قيادة اليرموك:

أتاهُ أمــــرُ أبي حفص فقبّــــله         كمــا يُقبّـــلُ آيَ الله تاليـــها.

فقد شبّه الشاعر تقبيل خالد لكتاب الفاروق بتقبيل مَن يتلو كتاب الله للمصحف الشريف، بجامع الاحترام والتقديس والطاعة في الحالين.

ومن الاستعارة قوله:

يرمي الأعادي بآراء مسددة         وبالفوارس قد سالت مذاكيها.

 فقد شبّه خطة خالد وآراءَهُ بالسهام النافذة، وحذف المشبه به وأبقى شيئا من لوازمه وهو (يرمي) على سبيل الاستعارة المكنية، كما شبه الخيل في تدفقها بالسيل، وحذف المشبه به وترك شيئا من لوازمه وهو (سالت).

أمّا الكناية فهي ألفاظ أطلقتْ وأريدَ لازمُ معناها، ففي قول شوقي: (للحرية الحمراء بابٌ) كناية عن التضحية. وفي قول الشابي: (كفـُّكَ مخضوبة) كناية عن إراقة المستعمر لدماء الشعوب.

-         تراسل الحواس، أو ما يُعبّرُ عنه بإعطاء مُدرَكات حاسّة لحاسة أخرى، ومثال ذلك ما يُقال في الشعر الحديث من مصطلحات كالَنـَغَم الناعم واللحن الأبيض، والأغنية المُعطرة.  وفي قول الجاغوب: (أشمّ بصوتك زهرَ الروابي) شيءٌ من هذا القبيل، فقد جُعِلَ الشمُّ بالصوت، والأصل: أشمّ برائحتكِ زهرَ الروابي، أو أسمع بصوتك حفيف أوراق الشجر؛ لأنّ الشمّ للرائحة والسمع للصوت. ومنه قول الهمشري:

جفوني ذكريات حلوة          من عطرك القمري والنغم ِ

فقد استعمل للعطر المشموم صفة مرئية هي القمرية الدالة على الإشراق.

-         التشخيص، وهو إكساب الجماد وما في حكمه بعض صفات الأشخاص، أي خلعُ الحياة على الشيء غير الحيّ. ومنه في شعر الهمشري:

فنسيمُ المساء يسرق عطرا      من رياض سحيقة في الخيال ِ
ووراء السياج زهـرة ُ فـُلٍّ      غازَلـَتـْـها أشعــة ٌ فـي المساء ِ

فالشاعر يجعلُ من النسيمَ لصّـا يسرق، ويجعل من شعاع الشمس عاشقا يُغازل.

-         التجسيم، وهو نقل المعنوي إلى صورة المحسوس، ومن شواهد ذلك عند إبراهيم ناجي:

ذوَت الصبابَة ُ وانطوتْ        وفـَرَغـْتُ من آلامِها
عــادتْ إليّ الــذكـرياتُ        بحشدِهــا وزحــامِها

فالصَبابة المُجرّدة في لغة الشاعر تذوي كالنبات وتنطوي كالبساط، والذكريات معنوية هي الأخرى ولكنها تحتشد وتتزاحم.

-         اللوحات الفنية المركبة الشاملة لعدد من العناصر اللونية والحركية والسمعية والشميّة، ومنها في قصيدة نازك الملائكة: (تـُعْوِلُ فيه الريح)، (تنوحُ مصابيح) صُوَر صوتية. (البرق، الفجر، الظلمة، مصابيح) صُوَر بَصَرية. (سكون رطب، أرض رطبة، رقدتْ فوق رخام الأرصفة الثلجية) صُور لمسية. ومنها عند فدوى طوقان: (جفني راعش) (يُحوّمُ في حواشيها) (يمدّ أصولـَه فيها) صُوَرٌ حركية.     

-         الصورة الخيالية، ومن ملامحها الفنية أن تقوم العلاقة بين أجزاء الصورة على الأثر النفسي لا على التشابه الشكلي، فليست الصورة الفنية هي التي تتملاها العين أو الأذن، ولكنها الصورة التي تتفاعل مع الفكر والوجدان، فابن المعتز حينما يصف لنا الهلال:

انظر إليه كزورق ٍ من فضة       قد أثقلته حمولة من عنبَر ِ

لا يُعَبِّرُ عن شعور صادق نحو جمال الهلال؛ لأنّ العلاقة التي رسمها بين الهلال وزورق الفضة تقوم على الشكل، وهي صورة تنبئ بخيال ضعيف، وأبلغ ُ منه إبراهيم ناجي إذ يقول:

والصوتُ يعزفُ كالرياح          والهمسُ ينزفُ كالجراح.

فليس بين الهمس والجراح علاقة في الشكل، ولكنه يترك في النفس أثــَرا داميا.

ومن ملامح الصورة الخيالية أيضا أنها تتلاءَمَ وأحاسيسَ الشاعر وأفكارَه التي يهجسُ بها، فالحياة التي يحلم بها أنس داود في ظلّ أسرة سعيدة تلوح من بين كلماته التي يرسم بها صورة طفلة صغيرة تركض نحو مدرستها في الصباح كأنّها ألحانُ أغنية تـُشنّفُ أذنيه، وجناحها مُرقــّش كأنما هي حمامة وديعة تطير من أمامه، (جناحها يضمّ في اعتداد كراسة صغيرة ومِسطرة)، ترى كم تثير فينا كلمة (اعتداد) من اعتزاز طفولي! وإلى أيّ حدّ تصلُ سعادتنا والشاعرُ يُعيدنا لطفولتنا البريئة عندما كنا نطبق أيدينا على قرش وحيد وكأنّه جوهرة نادرة!، وكم كان الشاعر بارعا في اختيار كلمة (الوحيد) ليصف بها القرش مع ما تصوّره من بُعْد اقتصادي متواضع  لحياة الناس آنذاك؟:
تمرُّ من هنا، أغنية تطير.
توزع السنا توزع العبير.
جناحها مرقش وخطوها حرير.
وشعرها مُموّج كأنه غدير.
وراقص على الجبين تارة، وتارة مهاجرٌ يطير.
جناحها يضمّ في اعتداد كراسة صغيرة ومِسطرة
وصورة لارنباد وقرشها الوحيد أطبقتْ عليه كفـُّها
كجوهرة.

يا زهرة الصباح إنْ مرّ صبحٌ دون أن أراك  أسيرُ واهن الجناح
أسير في عينيّ حزنُ طائر يعود فلا يرى في العش فرخـَه الوليد
لكنني على الطريق لم أجد تلك التي أدقّ بابها الحنون عندما يُداهم المساءُ غـُربتي!!)

ماذا لو مرّ صُبحٌ ولم يرَ الشاعر تلك الطفلة؟! سينكسرُ أمله ويعتريه الحزن مثل طائر فقد فرخه الصغير، لقد نجح الشاعر في تجسيم أفكاره وعواطفه في صُوَر جزئية  تآزرتْ جميعها لتقدّم لنا صورة كلية موحية ومؤثرة.. 

البناء الموسيقي:

يبعث الشعر الموزون إيقاعا تطربُ له الأذن، ومصدر هذا الإيقاع انتظامُ التفعيلات وانسيابُها، وتعاقب القوافي وانسكابها، وهذا ما يُعرف بالموسيقا الخارجية أو بالوزن والقافية. أمّا الموسيقا الداخلية فهي نسَق التعبير وانتقاء الشاعر للألفاظ، وانسجام الكلمات وتناغمها، ومن مظاهرها:


-         حُسن التقسيم، وهو توزيع العبارات توزيعا موسيقيا متناسقا، كقول شوقي: (يَدٌ سلفَتْ) (دَينُ مُستحقّ) (ففي القتلى) (وفي الأسرى). وفي قول الشابي: (حبيبَ الظلام) (عدوّ الحياة). وقول فدوى طوقان: (وجفني راعشق مبلول) (وقلبي يائسٌ مخذول).

-         التصريع وهو اتفاق نهاية شطري البيت (العروض والضرب) في في حرف الرويّ، وغالبا ما يكون في مطالع القصائد كقول شوقي:

سلامٌ مِن صَبا بردى أرقُّ       ودمعٌ لا يُكفكفُ يا دمشقُ.

-         الترصيع أو ما يُعرف بالتقفية الداخلية كقول الجاغوب:

أين المبادئ والأهـداف والمُثـُلُ        أين الرفاق وأين الفتية النُجُبُ.
         هل طابَ نومُهمُ أم غابَ نجمُهمُ        أم ضـلّ سعيُهمُ أم نالهم تعَـبُ؟

-         ردّ العجز على الصدر كما في قول شوقي:

ومن يسقي ويشرب بالمنايا       إذا الأحرار لم يُسقَوا ويَسقوا.

إنّ العمل الأدبي رسالة ورؤية، وهو يولد نتيجة تفاعلات الأديب مع الواقع الذي يعيشه، ونتيجة انفعالات نفسية داخلية معقدة تمور بها النفس البشرية، فالتفسير النفسي للأدب باتَ موضع اهتمام النقد المعاصر؛ ولذلك ينبغي أن تتهيّأ لدارسي الأدب ومُدرّسيه ذائقة مرهفة، ومَعْرفة لغوية متعمقة بقواعد اللغة وأساليب الكتابة، ودُربَة ٌ ومرانة في القراءة والتأمّل والتحليل والمقارنة والربط والاستنتاج والتعميم. ومهمّة مُدرس الأدب على وجه الخصوص ينبغي لها أنْ تنتقل من الوقوف عند ظواهر الأشياء إلى الغوص في أعماقها، ومن الاكتفاء بالنظرة الجزئية الضيقة للظاهرة الأدبية إلى النظرة الشمولية ذات الأبعاد المتعددة، على أن يتم ذلك في إطار الوحدة العضوية للنص، والتعامل مع العمل الأدبي ومبدعِيه بحيادية وإنصاف بعيدا عن الشخصنة والتحامل. والانطلاق من مبدأ أنّ الأدب العربي يمثل وجها مشرقا للغة العربية، وشاهدا حضاريّا حيّّا على جلالها وعظمتها، وعلى تفرّد العرب بهذه المزية الشريفة بين الأمم.



         





رؤية في تدريس النصوص الأدبية

بقلم الدكتور محمد الجاغوب - جامعة عمان العربية


لا بُد لمَن يأخذ على عاتقه مَهمّة تدريس النصوص الأدبية أنْ يتساءل: ماذا نريد من النص الأدبي؟ وللإجابة عن هذا التساؤل لا بُد أن نتذكرَ أنّ للقصيدة القديمة أُسساً موسيقية معروفة، وأنّ للقصيدة الحديثة أُسساً أيضاً ولكنها مختلفة. وأنَ الشاعر القديم كان مُضطراً لاستخدام عدد مِن الألفاظ التي تنتهي بحرف واحد، بينما الشاعر الحديث لا يستطيع البحث عنها، لأنّ كلَ هَـمّه أنْ يُعبّر عن الناس بشكل مفهوم، لذلك يجدر بالمعلم أن يتذكر هذه الأسس، وأن يساعد طلبته على الإلمام بها؛ لأنّ كثيراً منهم يظنون أنّ الشِعر الحديث عبارة عن كلام نثري مرصوف وحسب، بل إنهم لا يُفرّقون بين مفهومي الشعر المرسل والشعر الحر، كما أنّ بعضهم لا يُدرك أنّ شِعر التفعيلة لا يقوم على تفعيلات متساوية في كل شطر وفي كل بيت.

كيف نتعامل مع الأديب؟

إنّ التعامل مع الأديب لا بد أنْ يتم من زاوية فنيّة اللغة التي يستخدمها، والطريقة التي يُقدّم بها قَضيته ومدى قدرته على الإقناع والإثارة، ولا يجوز التعامل مع الأديب من زاويةٍ فكرية أو من باب هل يُناسبنا أو لا يناسبنا، فالمتنبي وأبو نواس شاعران فنانان، ولو سلـّطنا المعيارَ العقائدي أو الخـُلقيَّ عليهما لسقطا، فقصيدة "على قدر أهل العزم" لا يتجاوز ما وردَ فيها قضية الشجاعة، وكل ما قاله المتنبي عن سيف الدولة جاءَ به الشعراء السابقون، والصفات التي أسبغها عليه صفات معروفة ومُكرّرة، لكنّ البراعة عند المتنبي تكمنُ في طريقة تقديمه لهذه الصفات بصور جديدة ومثيرة، ولعل هذا هو سرُّ عظمته، فقوة الشاعر تعتمد على قوة خياله، وقدرته على التصوير والتشويق. لقد تناول المتنبي مفهوم الشجاعة وراح يُقلـّبه من كل النواحي وفي أكثر من بيت في القصيدة، حتى جَعل من صفة الشجاعة ميداناً لعشرات القصائد، وفي قصيدته "على قدر أهل العزم" المذكورة تحدّث عن الشجاعة فيما يقرب من خمسة عشر بيتاً، ثم انتقل إلى وصف المعركة حتى قوله "أتوك يجرون الحديد  الخ" ثم يُصور سيف الدولة وقد صَعد بجيشه الى أعلى الجبال حتى وصل أعشاش النسور، وهذه قضية لو أخضعناها للمنطق العلمي لوجدناها مخالفة له؛ لأنّ النسور تبني أعشاشها فعلاً في أماكن شاهقة يصعب على الإنسان أو الحيوان وصولها.
       
 أمّا الصورة الشعرية فتعتمد في الشعر القديم على المطابقة في الصفات المشتركة بين المشبه والمشبه به، بينما هي في الشعر الحديث يصعب إخضاعها والتعامل معها طبقاً لهذا المفهوم؛ فعندما يقول السَيّاب: "عيناك غابتا نخيل ساعة السحر" تكون الصورة فاسدة، إذ ما وجه الشبه بين العينين والغابة؟  إنّ الصورة في هذا النوع من الشِعر ما عادت تتوخى تفصيلات الأركان، وإنّ قيمتها تكمن في مدى ما تثيره في نفس القارئ من مشاعر وما تعبر عنه من أحاسيس الشاعر،  فالشاعر يتوخى التأثير، فغابة النخيل سوداء داكنة غامضة تكتنفها الأسرار، وكذلك عينا المحبوبة، هكذا أراد الشاعر أن يقول .

وعندما يقول نزار "عيناها سُبحان المعبود"، فإنه يرسم صورة، ولو بحثنا عن المشبه و المشبه به فيها لاصطدمنا بجدار من الغرابة، لكنّ الشاعر أراد أن يقول: إن عينيها جميلتان جداً تجعل الناظر إليهما يُسبّح الله، فاختصر. وكذلك نرى قول محمود درويش في قصيدته "أزهار الدم":
" كان الخريف يَمرُّ في لحمي جنازة برتقال، وتساقط الأطفال في قلبي على مهج الرجال" فكيف يمر الخريف في لحم الشاعر؟! وما علاقة الجنازة بالبرتقال؟! إنّ التعامل مع هذه الصورة أيضاً في إطار المفهوم التقليدي للبلاغة يوصلنا إلى باب مغلق، ويحول دون الوصول إلى ما يريد الشاعر.
           
 لعلنا نستنتجُ من خلال الأمثلة السابقة حقيقةً مفادها أنّ التعامل مع الصورة في الشعر الحديث يختلف عن التعامل معها في الشعر القديم، لأنّ الشعر الحديث يعتمد على إيحائية اللفظ وعمق الصورة والرمز، لذلك يجدر بالمعلم أنْ يُرَكِّزَ مع طلبته على عِلم البيان ليس فقط من ناحية تحديد المشبه والمشبه به ونوع التشبيه، بل من ناحية الفهم والتمييز والتذوق والاستمتاع، ومعرفة كيف يُصور الشاعر وكيف يُقدم المعنى الواحد بعشرات الصور كما فعل المتنبي، ومدى قدرة هذه الصُوَر على إثارة مشاعرهم وتحسّس الجوانب الجمالية في النص من خلال أسئلة يطرحها المعلم مثل: إلى أي حد أثرّ فيك هذا النص؟ ما القضايا التي أثارتك؟ والأهم من ذلك أنْ يبتعد الطلبة عن عبودية الفكرة والمواقف الشخصية من الشاعر والقضية التي يطرحها؛ لأنّ كثيراً من الشعراء قد لفـّوا أنفسَهم بعباءات وطنية أو دينية وسرّبوا من تحتها ضعفاً فنياً كثيراً.

ماذا نطلب من الأديب؟ هل نطلب منه أن يكون صادقاً صِدقا مطلقاً؟ ثم ما الصلة بين النص والواقع؟ إنّ كل أديب في مجتمعنا وفي وطننا يرتبط بالواقع بطريقة أو بأخرى، لكن كيف ينقل هذا الواقع؟ إنّ النقل الحَرفي للواقع مطلوب من الصحفي ومن المؤرخ، أما الأديب فله رؤيته واجتهاداته، فهو يفسر الأحداث من خلال منظوره الخاص، والدليل على ذلك أننا نجد أديـبـَين يعيشان في عصر واحد وفي مدينة واحدة لكنهما يكتبان بطريقتين مختلفتين، ومثال ذلك كل من: نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، فكلاهما من أبناء العصر الحديث ومن سكان القاهرة لكن كتاباتهما مختلفة باختلاف الموقف والرؤية لكل منهم، فنجيب يصور واقع الطبقة الفقيرة في بولاق، وإحسان يُصور واقع الطبقة المترفة في الزمالك، مع العِلم أنّ الفارق المكاني بينهما قصير. وزبدة القول في هذا تدل على أنّ تصوير الأديب للواقع هو تصويرنسبي.

ولو عدنا إلى قصيدة "أزهار الدم" لوجدناها ترتبط بحدَث تاريخي جرى عندما قامت إسرائيل بمحاصرة قرية "كفر قاسم" ثم إقتحامها لها عند عودة المزارعين من الحقول، حيث أطلقت النار عليهم فقتلت تسعة وأربعين  شخصاً وأصابت عددًا آخر، وقد ثار احتجاجٌ على ذلك في الكنيست وتم التحقيق في الحادث وانتهى الأمر بطريقة ما. هذه هي الحادثة، كان محمود في ذلك الوقت لا يزال صبياً، وعندما نضجَ محمود الشاعر وتكوّن له موقف كتب قصيدته تلك  على شكل قصائد ستٍ: الأولى "مغني الدم" والثانية "حوارٌ في تشرين" حيث تسقط الأوراق وسقطت الضحايا أيضاً، والثالثة "الموت مجاناً" وقد تضمنت إشارات إلى الدم المسفوك دون التوقف عند جزئيات الحدث، والرابعة "القتيل رقم 18" والخامسة "عيون الموتى على الأبواب" والسادسة "السجين والقمر" والتي تخلو من أي إشارة مباشرة للواقع.

ولو طبقنا مقولة : أنّ الأدب يؤرخ للأحداث لوجدناها غير دقيقة، فإلى أي مدى التزم محمود بالتاريخ؟! إنّ محمود لا يؤرخ في شعره ولكنه يُعبر عن نفسه تجاه أمرٍ ما، مع إشارات تاريخية خفيفة، ولو أنه التزم بالتاريخ لأصبحَ الشعر تقريراً حَرفياً، وهذا عمل الصحفي الذي يصور الواقع. لذلك لا يجوز التعامل مع النص الأدبي على أنه وثيقة تاريخية، وينبغي على المعلم أن يُوضح لطلبته نوع النص الذي يقرؤون، وأن يُبـيّن لهم مرتكزات الشعر الحديث، وأن  يضعهم في جو النص، ثم يتركهم يتحسسون الجوانب الجمالية فيه ويعالجونها.










     خطة مادة فن الكتابة والتعبير     

مدرس المادة:  د. محمد الجاغوب


1-  ماهيّة المساق وأهميته:

الكلمة قوة مؤثرة قادرة على تغيير العقول وتحريك الهمم وإثارة المشاعرأو تهدئتها وفق الاتجاه الذي يريده قائلها، وهي وسيلة اتصال وأداة إقناع. قال فولتير: إن الذين سيقودون العالم هم الذين يعرفون كيف يقرؤون وكيف يكتبون. وتعد الكتابة واحدة من أهم طرق الاتصال الإنساني وأداة من أدواته، وتزداد أهميتها كلما تقدم المتعلم في السلم الدراسي فيعبر بها عن آرائه وأفكاره ولكي يتمكن المتعلم من الكتابة بوضوح وحُسن عرض عليه أن يتقن قواعد الكتابة، ومن أجل ذلك جاء تدريس هذا المساق ليعين طلبة المرحلة الجامعية على تطوير قدرتهم على الكتابة الفنية وتوظيفها في مسيرتهم الدراسية وفي حياتهم العملية.

2- وصف المساق:

يتناول هذا المساق اللغة وعناصر الاتصال اللغوي الكتابي وأهمية الكتابة الفنية وآلياتها ومراحلها الثلاث: مرحلة ما قبل الكتابة وما يسبقها من تخطيط واستعداد وإعداد وترتيب للمعاني في الذهن، ومرحلة إنتاج الكتابة وما يرافقها من اختيار للكلمات وبناء الجمل والفقرات وتنظيم الشكل والمضمون، ومرحلة النظر في المكتوب وتنقيحة وتجويده. ويتضمن المساق أيضا تدريباتٍ على بعض مجالات الكتابة الوظيفية ومهاراتها ككتابة البحوث والتقارير والرسائل الوظيفية ومحاضر الاجتماعات والتلخيص والجديد من أنواع الكتابة وبعض الأخطاء الشائعة ومعجم اكتب ولا تكتب.

3- أهداف المساق السلوكية المعرفية والمهارية والوجدانية:

يُتوقّع من الطالب في نهاية المساق أن:

1- يُلمّ بأسس الكتابة الفنية ووسائل الاتصال.
2- يُخطط للكتابة الوظيفية بفاعلية وأسلوب علمي.
3- يختار المعلومات اللازمة للكتابة من مصادرها المتاحة وينظمها ( كتب مجلات إنترنت).
4- يُوظِّف المعلومات المتاحة في أنواع الكتابة التي يقوم بها.
5- يُحدّد متطلبات كتابة المقدمة والعرض والخاتمة في كل كتابة وظيفية يؤديها.
6- يستخدم اللغة العربية السليمة قراءة وكتابة وتحدثا.
7- يستخدم علامات الترقيم بشكل صحيح في كتاباته.
8- يُوظف أدوات الربط المناسبة.
9- يتعرّف نماذج وأشكالا من الأخطاء اللغوية الشائعة في الكتابة.
10- يتجنب الأخطاء اللغوية أثناء كتابته الوظيفية.
11- يُنقح العمل الكتابي الوظيفي لغة وفكرا وتنظيما.
12- يُطور قدراته ومهاراته واتجاهاته في التفكير وما يشمله من تحليل وتركيب واستقراء واستنتاج وتطبيق وتقويم ونقد ومحاكمة.
13- يتعرّف مجالات الكتابة الوظيفية من رسائل وتقارير وأبحاث ومحاضر اجتماعات.
14- يتعرّف خطوات الكتابة في كل مجال من مجالات الكتابة الوظيفية التي درسها.
15- يكتب نصوصًا وظيفية تمثل أغراضا مختلفة دون مساعدة من أحد.
16- يُقدّم عرضًا شفويا لما يكتبه من نصوص وظيفية.
17- يُلخص نصوصًا مكتوبة باتباع خطوات عملية التلخيص.
18-  يتعرف عددًا من المراجع والمصادر ذات العلاقة بالكتابة الفنية في المكتبات المتيسرة.
19- يستخدم اللغة الإنجليزية في البحث والتنقيب بين المراجع والمصادر العلمية.
20- يشرح خطوات إنتاج العمل الكتابي الوظيفي لغويا وفكريا وفنيا.
21- يُظهر الاعتزاز بهويته الإسلامية ولغته العربية.

4- محتوى المساق:

يتكون محتوى هذا المساق من عدد من الوحدات الدراسية موزعة على أسابيع الفصل الدراسي، تحمل كل وحدة عنوانًا رئيسًا تندرج تحته جملة من العناصر الفرعية، وتُدرّس الوحدات كاملة في محاضرات مدة كل منها ساعة ونصف الساعة.

الوحدة الأولى: اللغة والتواصل الإنساني: مفهوم اللغة وأهميتها، نظرية المهارات اللغوية، الاتصال اللغوي مفهومه وأهميته ووسائله وعناصره وكفاياته وتأثيره في تكوين العلاقات.
القراءة المقررة: الهاشمي والعزاوي (2011). ص: 27- 54
القراءة الإضافية: عمّار ، سام ، 2002م : اتجاهات حديثة في تدريس اللغة العربية
- Laura J. Guark, John M. Lannon.(2007). Concise Guide to Technical 
communication

الوحدة الثانية: الكتابة والخط: مفهوم الكتابة، نشأتها وتطورها، مهاراتها وأنواعها، ضعف  الطلبة في التعبير، مفهوم الخط وأهميته وأهدافه، أنواع الخط العربي، أعلام الكتابة العربية.
القراءة المقررة: الهاشمي والعزاوي (2011) ص: 61 - 81. الجاغوب، 189- 194
القراءة الإضافية: مصطفى ، عبدالله علي ، 1994م : مهارات اللغة العربية

الوحدة الثالثة: أدوات الكتابة وتنظبم النص: الحروف، الكلمات، التفقير.
القراءة المقررة: خليل والصمادي (2008) ص: 47 - 53، 73 - 79
القراءة الإضافية: شلبي، عبد العاطي(2002). فن الكتابة والتعبير.

الوحدة الرابعة: الإجراءات اللغوية: اختيار الكلمات، سلامة اللفظ، الجملة، أدوات الربط.
القراءة المقررة: الهاشمي والعزاوي (2011) ص: 135 - 144.
القراءة الإضافية: عبد الواحد، عباس(1996). مهارات في فن الكتابة والإملاء

 الوحدة الخامسة: الجملة العربية وأنواعها: تشريح الجملة، أنواع الجمل من حيث الوظيفة.
القراءة المقررة: خليل والصمادي (2008) ص: 57 - 69.
القراءة الإضافية: النجار، فخري خليل(2007). الأسس الفنية للكتابة والتعبير

الوحدة السادسة: الرسم الإملائي، تعليم الإملاء: الهمَزات، الألف اللينة، التاء المربوطة والتاء المفتوحة، ألف ابن وابنة، الضوابط الإملائية، مفهوم الإملاء وأنواعه، عوامل الضعف في الإملاء، أنواع الأخطاء الإملائية وسبل معالجة كلٍ منها.
القراءة المقررة: الهاشمي والعزاوي، ص: 193- 214. الجاغوب. ص: 195- 200
القراءة الإضافية: الهاشمي، عبد الرحمن(2008). تعلم النحو والإملاء والترقيم

الوحدة السابعة: الترقيم: مفهومه وأهميته، أسماء علاماته وأشكالها، مواطن استخدام كلٍ منها.
القراءة المقررة: خليل والصمادي ص: 83 - 92 .
القراءة الإضافية: باشا، أحمد زكي (1988). الترقيم: علاماته في اللغة العربية

الوحدة الثامنة: السلامة النحوية والصرفية: الفاعل ونائبه، التثنية والجمع، الأسماء الخمسة، المشتقات، الأعداد، التقويم
القراءة المقررة: الهاشمي والعزاوي (2011) ص: 217 -  238.
القراءة الإضافية: عطية، محسن (2006) الواضح في القواعد النحوية

الوحدة التاسعة: تعليم التلخيص: مفهوم التلخيص، فوائده، مهاراته وأنواعه، إرشادات عامة في التخيص، نشاطات وتدريبات عملية.
القراءة المقررة: الجاغوب، محمد(2002) ص: 205 - 212.
القراءة الإضافية: وُرمِلي  ريك ، (2008). فن التلخيص.

الوحدة العاشرة: مجالات الكتابة: البحث العلمي، التقارير، الرسائل، محاضر الجلسات.
القراءة المقررة: الهاشمي والعزاوي (2011) ص:  241 - 271.
القراءة الإضافية: فضل الله، محمد رجب(2002)عمليات الكتابة الوظيفية وتطبيقاتها.

الوحدة الحادية عشرة: الجديد من أنواع الكتابة: الكتابة الجدلية مفهومها وأهميتها، مهاراتها سماتها وعناصرها ومعاييرها، نماذج من الكتابة الجدلية، الكتابة الإلكترونية الرقمية مفهومها وأهميتها، الرسالة الخلوية والدردشة الإلكترونية، نظام الدردشة بداياته ووسائطه، مساوئ نظام الدردشة، كيف نواجه هذا التحدي، التقويم.
القراءة المقررة: الهاشمي والعزاوي (2011) ص: 273 - 309
القراءة الإضافية: - Laura J. Guark, John M. Lannon.(2007). Concise Guide to Technical communication

الوحدة الثانية عشرة الأخطاء الشائعة: الأخطاء الإملائية، أخطاء في كتابة العدد.
القراءة المقررة: خليل والصمادي ص: 27 - 44
القراءة الإضافية: الجاغوب،(2002)النهج القويم في مهنة التعليم ص:195- 200

الوحدة الثالثة عشرة معجم اكتب ولا تكتب: استخدام المعجم، أنواع المعاجم، نماذج من الأخطاء التركيبية والنحوية الشائعة.
القراءة المقررة: الهاشمي والعزاوي (2011) ص: 311 - 329
القراءة الإضافية: الدقر، عبد الغني. معجم القواعد العربية

5- تقويم الطالب في المساق:

يقوّم الطالب في هذا المساق على وفق نشاطاته الصفية واللاصفية المتمثلة في الحوارات والمناقشات وتقديم التقارير البحثية ذات الصلة، وبوساطة الاختبارات التحريرية المبينة على النحو الآتي:

الاختبار الأول: 25 علامة
الاختبار الثاني: 25 علامة
النشاطات الصفية والواجبات البيتية والمواظبة 10 علامات
الاختبار النهائي: 40 علامة

6- المراجع :

1- باشا، أحمد زكي (1988). الترقيم: علاماته في اللغة العربية. مصر: مكتبة التوعية الإسلامية.
2- الجاغوب، محمد(2002). النهج القويم في مهنة التعليم، عمان: دار وائل للنشر والتوزيع.
 3- الجاغوب، محمد(2011). برنامج تعليمي قائم على نظرية النظم، عمان: دار غيداء للنشر والتوزيع.
4- خليل، إبراهيم والصمادي، امتنان(2008). فن الكتابة والتعبير، عمّان: دار المسيرة.
5- الدقر، عبد الغني(دت) معجم القواعد العربية. مكتبة مشكاة الإسلامية.
 6- شلبي، عبد العاطي(2002). فن الكتابة والتعبير، الاسكندرية: المكتب الجامعي الحديث.
7- صبيح، إبراهيم وآخرون(1997). فن الكتابة والتعبير، عمّان: المكتبة الوطنية.
8- الصوفي، عبد اللطيف(2007). فن الكتابة: أنواعها مهاراتها أصول تعليمها. دمشق: دار الفكر
9- عابد، رسمي علي(2001). الكتابة الوظيفية التطبيقية، الإنشاء المدرسي، عمّان: دار وائل.
10- عبد الواحد، عباس(1996). مهارات في فن الكتابة والإملاء، مصر: دار الفكر العربي.
11- عطية، محسن (2006) الواضح في القواعد النحوية. عمّان: دار المناهج للنشر والتوزيع
12- علي، أسعد أحمد(1997). فن الحياة فن الكتابة، سورية: كلية الآداب.
13- عمّار ، سام ، 2002م : اتجاهات حديثة في تدريس اللغة العربية ، مؤسسة الرسالة ، بيروت  لبنان .
14- فضل الله، محمد رجب(2002). عمليات الكتابة الوظيفية وتطبيقاتها، القاهرة: عالم الكتب.
15- مصطفى ، عبدالله علي ، 1994م : مهارات اللغة العربية ، آرام للدراسات والنشر والتوزيع ، ط1 ، عمّان / الأردن .
16- النجار، فخري خليل(2007). الأسس الفنية للكتابة والتعبير، عمّان: دار صفاء للنشر والتوزيع.
17- الهاشمي، عبد الرحمن والعزاوي، فائزة (2011). الكتابة الفنية مفهومها أهميتها مهاراتها تطبيقاتها. عمّان: مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع.
18- الهاشمي، عبد الرحمن(2005). التعبير، فلسفته، أنواعه، تصحيحه، عمّان: دار المناهج للطباعة والنشر.
19- الهاشمي، عبد الرحمن(2008). تعلم النحو والإملاء والترقيم، عمان: دار المناهج للطباعة والنشر.
20- وُرْمِلي ريك، (2008). فن التلخيص، ترجمة محمد بلال جيوسي. الرياض: مكتب التربية لدول الخليج العربي

المراجع الأجنبية:

1- leslie C. Perelman, James Paradis, Edward Parrett.(1997). The Mayfield Handbook of Technical and science Writing L Mayfield McGraw-Hill Humanities\Social Sciences\ Language.
2- Laura J. Guark, John M. Lannon.(2007). Concise Guide to Technical communication,A,3\E, Longman (to be ordered).
3- Pauley, Riodan, Houghton Miffin. (2002). Technical Report Writing Today (the new Ed. to be ordered).
4- Thomas T. Barker, Writing software Documentation A task Oriented Approach (to be ordered).
5- http://mit.imoat.net/handbook.