السبت، 9 أبريل 2011

الوحدة العربية بين طموحات الشعوب وتقاعس الأنظمة


الوطن العربي وحدة جغرافية متصلة لا تفصل بين أقاليمه حواجز طبيعية، يمتاز بموقعه المتوسط بين القارات وبثرواته الهائلة والمنوّعة، يمتد موقعه من الخليج العربي شرقا حتى المحيط الأطلسي غربا ومساحته تقارب الخمسة عشر مليونا من الكيلومترات المربعة، عدد سكانه يفوق الثلاثمئة مليون نسمة تجمعهم لغة واحدة وتاريخ واحد. ظلّ عبر التاريخ يمثل وحدة سياسية واحدة منذ عهود الخلافة العربية الإسلامية حتى نهاية العهد العثماني. شهدتْ أرضه ظهور الرسالات السماوية ومنها شعّ نور الهداية. ما أنْ انتهتْ الحرب العالمية الأولى حتى أسفرتْ عن انتقال هذا الوطن من حالة الاندماج الوحدوي في ظل الإدارة العثمانية إلى حالة التشظي والانقسام في ظل الاستعمار الأوروبي، لكنّ هاجس الوحدة ظلّ يراود أبناء هذا الوطن على مدار قرن مضى من الزمان؛ لأنهم مقتنعون بأنّ وطنهم يتوفر له من عوامل الوحدة أكثر ممّا يتوفر من عوامل الفرقة والتشرذم. قامت فيه حركات تحرّر وثورات عديدة غالبا ما كانت تتوّج بخروج المستعمر وإقامه حكومات عربية ترفع شعارات وطنية براقة؛ صَفـّق الناس للحرية والوحدة، وكتبَ الشعراء فيها أجمل قصائدهم، وانبرى المعلمون والصحفيون يُعمّقون مفهومها والإلحاح على تحقيقها.
أنشئتْ جامعة الدول العربية عام 1945،  رحَلَ الاستعمار الأوروبي عن كثير من بقاع الوطن العربي واستقلـّتْ ممالك وجمهوريات باستثناء فلسطين التي أقيمتْ على أنقاضها دولة إسرائيل. شعَرَ العرب أنّ ذلك لم يكنْ ليحدث لولا فرقتهم التي أذهبتْ ريحَهم. في أواخرعام 1948 عقد الفلسطينيون ثلاثة مؤتمرات وطنية في عمان وأريحا ونابلس قرروا فيها إقامة اتحاد عربي بين ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وشرق الأردن بقيادة الملك عبد الله الأول ابن الحسين عُرف باسم المملكة الأردنية الهاشمية. استمرتْ هذه التجربة الوحدوية حتى يونيو حزيران 1967 حيث احتلت القوات الإسرائيلية الضفة الغربية من المملكة. غير أنّ القيادة الأردنية قررتْ الحفاظ على الروابط القانونية والإدارية بين الضفتين، واستمر الحال كذلك حتى عام 1988 حيث ألقى الملك حسين خطابا أعلن فيه فكّ عُرى تلك الوحدة، غير أنّ الروح الوحدوية مازالت تسود العلاقة بين الشعبين الأردني والفلسطيني رغم الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.
في العام 1952 انطلقتْ ثورة الضباط الأحرار في مصر ضد حُكم الملك فاروق؛ فصفّق لها أحرار العرب في كل مكان. في عام 1956م أعلن جمال عبد الناصر تأميمَ  قناة السويس فارتفعتْ الروح المعنوية لدى الجماهير المصرية والعربية، جاشتْ مشاعرُ العرب والتهبتْ حناجرهم بالهتاف لعبد الناصر متيمّنين فيه أملَ توحيد الأمة والوطن. وقعَ العدوان الثلاثي على مصر في العام ذاته، شاركتْ فيه إسرائيل إلى جانب بريطانيا وفرنسا كردة فعل على تأميم القناة، قاومتْ مصر وصمدَ عبد الناصر، وقف الرأيُ العام العربي والدولي إلى جانب مصر فرُدَّ كيدُ العدوان وزاد تمحورُ الشعوب العربية حول القيادة المصرية.
في عام 1958م اتفق الرئيسان شكري القوتللي وجمال عبد الناصر على توحيد مصر وسوريا تحت مُسمّى الجمهورية العربية المتحدة، طارتْ الجماهير في عواصم العروبة فرَحًا بدولة الوحدة وطالبت الحكومات العربية بالانضمام إليها. قويَتْ شوكة الثورة الجزائرية وثورة الجنوب اليمني المحتل من قبل بريطانيا، وانطلقتْ ثورة سبتمبر في شمال اليمن بقيادة المشير عبد الله السلال ضدّ حُكم الأئمة، دعَمَتها حكومة الجمهورية العربية المتحدة ماديّا وإعلاميّا، هتفتْ لها وللجزائر ولفلسطين حناجر فايدة كامل وأحمد سعيد وجلال مُعَوّض ومحمد عُروق. كسرَ جمال عبد الناصر احتكارَ السلاح وشرعَ في بناء السد العالي بدعم من حكومة الاتحاد السوفييتي. شهد العام 1958م إقامة اتحادٍ عربيٍ هاشمي ضمّ مملكتي العراق والأردن، لكنّ هذه التجربة الوحدوية لم تدم طويلا حيث انتهت بقيام الزعيم عبد الكريم قاسم بثورة 14 تموز من العام ذاته في بغداد أنهت النظام الملكي بقيادة الملك فيصل الثاني ونوري السعيد.
لم ترُقْ هذه الإنجازات الوحدوية ولا الهتافات الجماهيرية لأعداء الأمة العربية، تضافرتْ القوى الاستعمارية وإسرائيل والرجعية العربية والقوى المضادة للثورة فكان انفصال سورية عن مصر يوم 28 سبتمبر 1961. واصلَ عبد الناصر الصمود ورفضَ الاعتراف بالانفصال وأصرَّ على استمرار مُسمّى الجمهورية العربية المتحدة. سعَتْ  قـُوى الرجعية العربية لوَأدِ ثورة السلال في اليمن فكان انحياز مصر لتلك الثورة بالمال والجُند والسلاح. تورّطتْ مصرُ في حرب اليمن، استغلتْ إسرائيلُ انفصام عُرى الوحدة والانشغال المصري في اليمن فراحتْ تعدُ لعدوان حزيران 1967م. قامتْ بتحويل مجرى نهر الأردن من منابعه الشمالية نحو صحراء النقب،  دعا عبد الناصر لقمة عربية قرّرَ فيها الرؤساء والملوك بناء سَد المخيبة على الحدود السورية الأردنية وفي نقطة تسبق محطة التحويل الإسرائيلية. تحرّشتْ إسرائيلُ بسورية، ردّ عبد الناصر بالإعلان أن أيّ عدوان على سورية هو بمثابة عدوان على مصر. أغلقَ خليجَ العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية وأخرجَ قوات الطوارئ الدولية من قطاع غزة. تفاقمتْ الأمور وتبيّن أنّ المنطقة تسير باتجاه الحرب. وقفَ العربُ ثانية إلى جانب مصر وعُقدَ عددٌ من اتفاقيات الدفاع العربي المشترك بين الدول العربية.
بدأتْ إسرائيل عدوانها يوم 5/6/1967، تجلـّتْ وحدة العرب من جديد فخاضتْ الحربَ إلى جانب مصر كلٌ من سورية والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية بشكل رئيس، وشاركتْ دول عربية أخرى كالعراق والكويت والجزائر والمغرب بشكل مساند. ربحَتْ إسرائيل المعركة، وخسرتْ مصرُ صحراء سيناء وقطاعَ غزة. وخسرتْ سورية هضبة الجولان، كما خسرَ الأردنُ ضفتـَه الغربية. لكنّ العربَ لم يخسروا الإرادة فقال عبد الناصر قولته المشهورة: ما أخذ بالقوة لا يُستردّ إلا بالقوة ودعا إلى قمة عربية كانت لاءاتُ الخرطوم المشهورة أهمَّ قراراتها: لا صلحَ لا اعتراف لا تفاوض مع إسرائيل.
قرّرتْ مصر وسورية والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية إعادة بناء قواتها بدعم من الأشقاء العرب؛ فكانت المقاومة الفلسطينية على طول نهر الأردن، وكانت حربُ الاستنزاف على طول قناة السويس، وكانت معركة الكرامة التي تحالف فيها الجيش العربي الأردني مع قوات الثورة الفلسطينية يوم 21/3/1968م  حقـّقَ فيها العربُ أول انتصار على الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر. وكانت انتصارات مصرية في جبهة السويس وسيناء حيث دمّر المصريون لإسرائيل أهمّ قطعتين في قواتها البحرية وهما: المدمرة إيلات والغواصة داكار، وكبّدوا الإسرائيليين خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. كانت حرب الاستنزاف بمثابة الاستعداد لحرب أكتوبر 1973.
توفيّ جمال عبد الناصر يوم 28/9/1970 فتركتْ وفاته حَسرة وألمًا لا يقلان عن ألم الهزيمة عام 1967، تولـّى أنور السادات قيادة مصر، ألغى اسم الجمهورية العربية المتحدة وأطلق على الإقليم المصري اسم جمهورية مصر العربية واعتقلَ عددا من رفاق عبد الناصر. صرّح السادات أنّ عام 1971م  سيكون عام الحَسم  للقضية الفلسطينية إنْ سِلمًا وإنْ حربًا، التقى الملكَ حسين بن طلال في الإسكندرية فأصدرا ما عُرفَ وقتها ببيان الإسكندرية الذي ينص على مشروع إقامة المملكة العربية المتحدة بين فلسطين والأردن. لكنّ السادات ظلّ يواصل الإعداد مع حافظ الأسد لحَرب التحرير.
في 17/4/ 1971م اتفقَ أنور السادات وحافظ الأسد ومعمر القذافي على إقامة اتحاد عربي لجمهورياتهم ليكون نواة لوحدة عربية شاملة.  في الثاني من ديسمبر1971 اجتمعَ زايد بن سلطان آل نهيان شيخُ إمارة أبو ظبي وراشد بن سعيد آل مكتوم شيخُ إمارة دبي في ربوة السَمحة الواقعة بين الإمارتين واتفقا على إقامة اتحادٍ عربي يضم إمارات الخليج العربي التسعة، كان هذا العدد يشمل مشيخات قطر والبحرين، لكنّ شيْخَيهِما انسحبا من منظومة الاتحاد المقترح بهدف تأسيس دول مستقلة. بقيتْ سبعُ إمارات في تلك المنظومة، هي: أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة ومنها تشكلتْ دولة الإمارات العربية المتحدة، انضمّتْ الدولة الجديدة لجامعة الدول العربية ولهيئة الأمم المتحدة، ومازالت تجربة هذا الاتحاد من التجارب الوحدوية الناجحة التي عرَفها التاريخ العربي.
في عام 1973م كانت حربُ  أكتوبر، وكان عبورُ الجيش المصري لقناة السويس بقياد الفريق سعد الدين الشاذلي، وكان اجتياح الجيش العربي السوري لهضبة الجولان والضرب في العمق الإسرائيلي. طُبّقتْ معاهدات الدفاع العربي المشترك بشكل جيد، وتجلـّى التضامن العربي في أبهى صوره، هبّ العربُ كافة لنصرة مصر وسورية فحاربتْ قوّات عراقية وأردنية إلى جانب الجيش السوري، وحاربت قوات كويتية وجزائرية ومغربية إلى جانب الجيش المصري. أعلنَ الملكُ السعودي فيصل بن عبد العزيز قطعَ إمدادات النفط عن دول الغرب الاستعماري. تآزرتْ الأمة العربية في إنشاء الهيئة العربية للتصنيع الحربي فأنتجتْ أسلحة قتالية خفيفة وثقيلة سدّت النقص لدى الجيوش العربية.
ظلّ التضامنُ العربيُ متماسكا إلى أنْ غيّرَ السادات من سياساته، دعا لكسر الحاجز النفسي بين العرب وإسرائيل، زارَ القدسَ المحتلة وخطبَ في الكنيست قبل تحقيق السلام وقبل الانسحاب من الأراضي العربية. ثم كانت مفاوضات كامب ديفيد فمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي تنص على الاعتراف بإسرائيل دون التشاور والتنسيق مع الأطراف العربية الأخرى، وكانت خروجا على لاءات الخرطوم المشهورة؛ فقاطعَ العربُ مصرَ وأخرجوا منها مَقرَّ جامعة الدول العربية ونقلوه إلى تونس واختاروا التونسي الشاذلي القليبي كأول أمين عام لتلك الجامعة من خارج مصر. وبذلك تتابعت الخدوش والشروخ في الجسد العربي وتزلزتْ أركان الوحدة العربية.
اغتيل أنور السادات في 6 أكتوبر 1981 وخلفـَه نائبُه حسني مبارك، فبدا كمن يحاول رأبَ الصدع العربي وكمن يُحاولُ التصلبَ في وجه العلاقات مع إسرائيل فاستعادتْ مصرُ شيئا من ثقة العرب،  عقدَ القادة العرب قمتهم في بغداد عام 1986 وقرروا العودة إلى مصر أو إعادة مصر للصف العربي، وأعادوا لها مقر جامعة الدول العربية. قام العربُ بمحاولات وحدوية من نوع جديد، تحدّثَ الملك حسين عن توحيد الوطن العربي في أربع كتل جغرافية كبيرة هي: الجزيرة العربية والهلال الخصيب ووادي النيل والمغرب العربي، ودعا إلى إنشاء فيلق عسكري عربي موحد للتدخّل السريع وحماية حدود الوطن العربي في حال الخطر.
في الثاني والعشرين من مايو أيار عام 1990 أعلنَ اليمنيون توحيدَ اليمن بشطريه الشمالي والجنوبي تحت مسمى الجمهورية اليمنية، كان الرئيس علي عبد الله صالح رئيسا للجمهمورية وحيدر أبو بكر العطاس رئيسا لأول مجلس وزراء في دولة الوحدة، وبموجب ذلك القرار اختفتْ دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية من الوجود. غير أنّ الجنوبيين حاولوا الرجوع عن تلك الوحدة فكانت لهم  محاولة انفصال عام 1994 قمعَها علي عبد الله صالح بالقوة وثبّتَ دعائم الاتحاد من جديد.
ظهرتْ مجالس التعاون العربي، كمجلس التعاون الخليجي الذي يضمّ ستّ دول خليجية تحكمها أسرٌ وعائلات متقاربة متآلفة. ومجلس التعاون العربي الذي يضمُ مصر والعراق واليمن والأردن بقيادة كل من حسني مبارك وصدام حسين وعلي عبد الله صالح والملك حسين بن طلال.  ومجلس التعاون المغاربي الذي يضمُ ليبيا وتونس والجزائر والمغرب. لم يدُم عهد مجلس التعاون العربي سوى سنتين على وجه التقريب، حيث اختلف العراق والكويت على حقل الرميلة النفطي وساءت العلاقات بينهما، اجتمع وفدا البلدين في مؤتمر جدة يوم 1/8/1990، لم يتفقا على شيء وانهارت المفاوضات بينهما.
 في الهزيع الأخير من ليل 2/8/1990 اجتاح الجيش العراقي الكويت مُطلِقا على ذلك الاجتياح يوم النداء العظيم، فرّ أمراءُ الكويت إلى السعودية وغادر المقيمون على أرضها إلى أوطانهم. أصدر الرئيسُ العراقي صدام حسين مرسوما بضم الكويت لجمهورية العراق واعتبرها واحدة من محافظاته التسع عشرة. كان ذلك أشبه بالزلزال الذي هزّ أركان التضامن العربي. حاولَ الملك حسين إقناع الرئيس العراقي بالعودة عن الكويت، واعتماد حلٍّ سِلميٍ عربي للأزمة درءًا لأيّ تدخلٍ أجنبي خارجي وحفاظا على روح التضامن العربي وكادَ أن ينجحَ في ذلك. لكنّ الرئيس المصري حسني مبارك كان يُدبرُ أمرا آخر، إذ دعا لمؤتمر قمة عربي في القاهرة تحتَ شعار أسماهُ نصرة الكويت، وطالب في تلك القمة بتدخل عسكري دولي لإخراج العراق من الكويت فانفرط بذلك عقد مجلس التعاون العربي وانقسمَ العربُ إلى معسكرين متناحرين.
 انحاز اليمنُ والأردن والسودان ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب العراق، واصطفت دول مجلس التعاون الخليجي إلى جانب الكويت. تفاقمت الأمور بشكل متسارع، العراق يرفض مغادرة الكويت ويطلب من البعثات الدبلوماسية فيها أن تنقلَ مقراتِها إلى العاصمة بغداد. دولُ الخليج تستعين بالولايات المتحدة الأمريكية فتفتح أجواءَها وصحراءَها وبحارَها لقوات الغزو الأمريكي تمهيدا لضرب العراق. القوات المصرية والسورية تـُعسكِرُ في منطقة حفر الباطن السعودية وتنضمُ إلى قوات الغزو الأمريكية. يبدأ العدوان الأمريكي الأطلسي على العراق يوم 17/1/1991. العراق يَخسرُ الحربَ ويخرجُ من الكويت. أمريكا تفرض على العراق حصارا ظالما يستمرّ ثلاثة عشر عاما تشارك فيه دول إعلان دمشق، وهي دول الخليج الست بالإضافة إلى مصر وسورية.  دول الخليج تغضب على حلفاء العراق العرب وتصفهم بمحور الضِد وتفرض عليهم عقوبات اقتصادية. وإذا كانت حَربُ الكويت عام 1991 مُنهكة للعراق فإنها كانت قاصمة لظهر التضامن العربي أيضا؛ توقفتْ مؤتمرات القمة العربية لفترة طويلة وضَعُفَ التأييدُ العربي لفلسطين ولبنان. وأذعنتْ الحكومات العربية لقرارات مجلس الأمن الدولي فشاركتْ في تطبيق الحصار على العراق طيلة ثلاث عشرة سنة.
تقوقعَ الرئيسُ المصري حسني مبارك على نفسه في شرم الشيخ سنين طويلة وأخلى الساحة لبغاث الطير تملؤها، تراجعَ الدورُ القياديُ المصري للأمة العربية في عهده لأسباب مختلفة، ليست أقلها قيود اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل. لم تعُد مصرُ محورَ القرار العربي لا في الدعوة لعقد القمم العربية ولا في فرض مواعيدها وأماكنها، ولا في حَلّ النزاعات العربية. وإذا كان توقيع اتفاقية (كامب ديفيد) بين مصر وإسرائيل قد زعزعَ الصف العربي فإنّ توقيع اتفاقيَتـَي (أوسلو) بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل و(وادي عربة) بين الأردن وإسرائيل قد انعكسَ سلبا على الوضع العربي العام، فقد تسارعت دولٌ عربية بعيدة عن خطوط المواجهة مع إسرائيل لتطبيع العلاقات مع الدولة العبرية.
ما بين عامي 1991 و2003 لم تترك الولايات المتحدة الأمريكية العراقَ وشأنه بل دبّرتْ له المكائد، عزّزتْ وجودَها العسكري في دول الخليج العربي، وألزمَتْ الدولَ العربية بمعاداة العراق، فمن تجويع شعبه بالحصار وقتل أبنائه بالغارات الجوية والصاروخية المتقطعة إلى إشغاله بفرق التفتيش الباحثة عن أسلحة الدمار الشامل. وكانت الطامة الكبرى عام 2003 حيث نسبتْ للعراق التسلحَ بأسلحة محظورة، واتهمتْ قيادَته بممارسة الإبادة الجماعية ضد شرائح من أبناء العراق إلى أن وصلَ الصَلفُ السياسيُ بالرئيس الأمريكي جورج بوش الصغير أن يطلب من صدام حسين  رئيس جمهورية العراق أن يرحلَ عن العراق، ووصلت السفاهة ببعض العرب أن يؤيدوا هذا المطلب الأمريكي.
وجّه صدام حسين صفعة إهانة لكل هؤلاء برفضه الرحيل عن العراق. ولمّا كانت ليلة العشرين من مارس آذار 2003 أمطرتْ أمريكا وأعوانـُها مدينة بغداد بتسعين صاروخا، توقـّعَ الأمريكيون أن يستسلمَ صدام حسين بفعل هذه اللكمة الصاروخية، لكنه خرجَ عليهم في اليوم التالي قائلا بكلِّ عنفوان الشجاعة: أطلقْ لها السيفَ لا خوفٌ ولا وجَلُ أطلقْ لها السيفَ وليشهد لها زُحَلُ، واندلعت الحرب. استخدمت أمريكا كل جبروتها العسكري، استخدمتْ الأرضَ العربية والأجواء العربية والدعمَ العربي المالي والإعلامي لضربِ العراق. في التاسع من إبريل نيسان دخلتْ علوج الفرنجة عاصمة الرشيد، جهزوا حفلا صوّروا خلاله دبابة أمريكية تــَشدُ تمثالَ صدام حسين مِن قامتِه وتطيح به في مشهد استعراضي فرحَ له القادة العرب وبعض الشعوب العربية وشراذمُ من العملاء العراقيين الذين جاؤوا من عواصم الغرب على ظهور الدبابات الأمريكية لتسلـّم حُكم العراق بعد صدام حسين. انتقل صدام وقيادته وجيشه لمقاومة الاحتلال تحت الأرض، قاتلَ أبناؤه وحفيده القوات الأمريكية حتى استشهدوا، وقاتلَ هو حتى اعتـُقل واعتـُقِلَ أنصاره تباعا. زجّتهُم أمريكا في محاكمات صورية ورفعتهم واحدا بعد الآخر على أعواد المشانق فدخلوا التاريخ شهداء مُبجلين ولم تنمْ أعينُ الجبناء، وغاصتْ أمريكا في المستنقع العراقي وما تزال.
    بالإضافة إلى هذه الحوادث المأساويّة التي ألمّت بالوطن العربي استأسَدتْ بُغاثُ الطير في هذا الوطن مُستقوية بالقواعد الأمريكية ومُستندة إلى كنوزها الهائلة ومُستغلة غيابَ الدور السياسي المصري والثقل العسكري العراقي وراحت تجول وتصول؛ فكادت للمقاومة اللبنانية كيدًا، وتطاولتْ على قادة الثورة الفلسطينية، وجاهرتْ بصداقتها لقادة إسرائيل. تدخّلتْ في الشأن الداخلي لكثير من الدول العربية البعيدة والقريبة، روّجتْ لتقسيم السودان ولانشقاق الصف الفلسطيني وللغزو الأطلسي الصليبي لليبيا. ونصّبتْ نفسَها وسيطًا وحَكمـًا دوليا يتدخّلُ لفضّ المنازعات بين الدول وبين القبائل وحتى بين المرء وزوجه.
في مطلع العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين بدأ الماردُ العربي يتملمَلُ، ثمّ ينتفضُ وكأنما مسَّته صاعقة من كهرباء، خرجَ هذا الماردُ من قـُمقـُمه، أطاح التونسيون رئيسَهم بن علي، وبعد أسبوعين خلعَ المصريون رئيسَهم حسني. واصلت الجماهير العربية ثورتها في البحرين واليمن وليبيا وغيرها. فوجئتْ أمريكا وإسرائيل بهذه الصحوة العربية، فراحت تحاول تطويقها ما تستطيع إلى ذلك سبيلا، في محاولة للإبقاء على ذيول الأنظمة المترنحة، أوعزتْ للأحزاب والجماعات العربية والإسلامية المهترئة وللشخصيات ذات الوجوه الكالحة وللدعاة المسلمين المنافقين الفاسدين ليسرقوا الثورة مِن شباب الأمة الثائر، لكنّ جيلَ الثورة الجديد مازال لهم بالمرصاد يتصدّى لمخططاتهم بملايين الصدور العارية والمسالمة، رافعا شعارات الحق: نعم للإصلاح والعدالة والحرية ووحدة الأمة. لا للفساد والاستبداد ومصارع الاستعباد. وتظلّ الأيامُ القادمة سجالا بين الشعوب العربية وأعدائها، وتظلُّ الحَكمَ الشاهدَ على مُجريات الأحداث وتتابعها، كما تظلُّ وحدة الوطن العربي حُلـُمًا جميلا يراود الأجيال العربية تتناقله جيلا فجيلا إلى أن يُكتبَ له التحقـُق.
   د. محمد الجاغوب

السبت، 2 أبريل 2011

ترويج إعلامي لتوريث الحُـكم


إنَّ مِن الشِعــر ِ لـَحِكمة
ترويج إعلامي لتوريث الحُكم
بقلم  د. محمد الجاغوب

إلـيكَ أمـيرَ المؤمنينَ رحَلتـُها تثـيرُ القـطا ليلا وهـُنّ هُجودُ
على الطائر المَيمون والجَدّ صاعدٌ لكلّ أناس ٍ طائرٌ وجُدودُ
إذا الـمِـنبرُ الغـربيُ خلـّى مكانـَه فإنّ أمـيرَ المؤمنين يــزيـدُ

الأبيات السابقة للشاعر العربي الأموي مسكين الدارمي واسمه ربيعة بن عامر بن أنيف من بني دارم، ومسكين لقبه، يقول:  وسُمّيتُ مسكينا وكانت لجاجةً وإني لمسكين إلى الله راغبُ. والأبيات كتبها مسكين وأرسلها لأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، واستهلـّها بقوله: لقد توجّهتُ إليك ليلا على راحلتي التي أقلقَ سَيرُها طيورَ القطا فأثارتهنّ وأفزعَتهنّ وهنّ نيام. وفي البيت الثاني إشارة إلى أنّ من عادة العرب التطيّر، أي يزجرون الطير يحبسونها وعندما يُزمعون السفر يُطلقونها ويرقبون وجهتها، فإن توجهتْ في طيرانها يمينًا تيمّنوا وتفاءلوا بالتوفيق في سفرهم، وإن اتجهتْ شمالا تشاءموا وعدلوا عن السفر. وفي هذا البيت تصريحٌ بأنّ الطيرَ ميمونٌ والحظوظ صاعدة واعدة، والناس لكل منهم طائر يتيمّنُ به وينظـُر حُظوظه فيه. وفي البيت الثالث وهو بيت القصيد يُعلنُ الشاعر أنّ المنبرَ الغربيّ ويقصد به سُدّة الحكم ومقر الخلافة في دمشق إذا خلا من أمير المؤمنين معاوية فإنّ أمرَ الخلافة سيؤولُ إلى ابنه يزيد بن معاوية دون نقاش.

وسواء كانت هذه أفكارَ الشاعر أم كانت إيحاءاتٍ من معاوية نفسِه فإنها تشكل خروجًا على سُنة الشورى التي انتهجها المسلمون بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث انتقلت الخلافة بين الخلفاء الراشدين قبل معاوية بالشورى والتوافق والاصطلاح على أصلح الناس لهذا الأمر. وبالفعل قبْلَ أن يقضيَ معاوية نَحبَه كان قد ضمن الحكم لنجله يزيد بن معاوية، ويزيد قبل وفاته ضَمِنها لابنه معاوية الثاني، وبعد وفاة معاوية الثاني خرجت الخلافة من بني صخر بن حرب إلى بني مروان بدءًا من مروان بن الحكم فابنه عبد الملك ومن عبد الملك لابنه الوليد.

 وهكذا سارت الوراثة في الحُكم العربي الإسلامي إلى يومنا هذا، حيث تقوم في العالم العربي ممالك وإمارات ومَشيخات وسُلطات وسَلطنات وجُمهوريات وجَماهيريات تختلف فيها التسمية ويتفق فيها المضمون ويتوارث حُكمَها الأبناءُ عن الآباء. ويقوم الإعلام المعاصر بوسائله المختلفة بدور التهيئة والتمهيد لتوريث الحكم بعيدا عن الأساليب الديمقراطية المتبعة في العالم المتحضّر والتي تقوم على تداول السلطة بالانتخاب الحُرّ والنزيه والمحكوم بقوانين ومعايير ومُدَدٍ زمنية لا يجوز تجاوزها. وبالعودة للأبيات السابقة يمكن الاستنتاج بأن زُمَر الإعلاميين المنافقين والوصوليين الذين يتولـَوْن وسائلَ إعلامِنا المَعاصِرة ينهجون نهجَ الشاعر مسكين الدارمي في الأفكار والغايات ولا يختلفون عنه سوى في الأدوات.                      

الجمعة، 1 أبريل 2011

السياسة الأمريكية بين تأييد الأنظمة وتأييد الشعوب


من يتتبع تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية يلاحظ أنّ أمريكا كانت تقف إلى جانب الأنظمة الحاكمة الموالية لها، وترسل قواتها لتحارب الشعوب الثائرة على تلك الأنظمة، وهذا ماحدث فعلا حينما حاربت القوات الأمريكية إلى جانب الجنرال (ثيو) الفيتانامي الجنوبي ضد ثوار الفيتكونغ، وعندما حاربت إلى جانب الرئيس (سيموزا) ضد ثوار الحركة الساندنستية في نيكاراغوا وما يمكن أن تفعله مستقبلا لحماية أنظمة أصدقائها في فرموزا وفي سيؤول. أمّا أن ترسل أمريكا بطائراتها وضباط استخباراتها لتحارب إلى جانب الشعوب الثائرة ضد حكامها فهذا أمرٌ مُستغرَب! لقد حاربت أمريكا لأجل الشعب الكويتي و حاربت لأجل الشعب العراقي وعدوّها في الحالين هو الرئيس صدام حسين رئيس جمهورية العراق الذي حاكمته وأعدمته. وحاربت إلى جانب شعوب البوسنة والهرسك وكرواتيا والجبل الأسود وكوسوفو ضد نظام حكم ميلوسوفتش رئيس الاتحاد اليوغسلافي،  وها هي تحارب الآن إلى جانب المعارضة الليبية وفي صفوفها ضد حكم العقيد معمر القذافي، وتتأهب لتدسّ أنفها في سورية لتحارب في صفوف المعارضة السورية ضد حكم الرئيس بشار الأسد. ولكنّ الأمر الملفت للنظر أنها تبرّأتْ من ثورة الشعب البحراني وتجاهلتها وأيّدت قمعها بقوة. والملفت للنظر أيضا أنها لم تقتنع يوما بثورة الشعب الفلسطيني ولم تقف إلى جانبها بل وحاربتها بشراسة إكراما لعين الدولة الإسرائيلية. وفي حالتين مماثلتين كان الموقف الأمريكي مغايرا أيضا، فعندما ثار الشعب الإيراني ضد نظام حكم الشاه محمد رضا بهلوي تبرأت منه الإدارة الأمريكية وتخلت عنه رغم كونه رجلها القوي وشرطيها وراعي مصالحها في منطقة الخليج العربي؛ فسقط نظامُ حُكمِه. والحالة الثانية عندما تخلت عن صديقها حسني مبارك وتركته يسقط تحت أقدام ثوار 25 يناير في ميدان التحرير. ربما يقول قائل: إنّ أمريكا أخطأت في حساباتها تجاه ثورة الشعب الإيراني الخمينية ولم يخطر ببالها أن تلك الثورة ستمرّغ أنف الأمريكيين باقتحام سفارتهم في طهران واحتجاز موظفيها مدة 444 يوما. وربما ظنت أنها تستطيع استبدال صديقها حسني مبارك بأحد عملائها الجدد ممن تنطلي أوراقهم على الناس، على غرار استبدالها لأنور السادت بحسني مبارك في أكتوبر 1981م. ولما اكتشف دهاة السياسة الأمريكية وأساطينها أن الثورات الشعبية في تونس ومصر هي ثورات وطنية حرة وأنها لا تنخدع بمعسول الكلام الأمريكي وأنّ عدواها  قد تنتقل إلى دول عربية أخرى أدركت أمريكا خطورة الوضع في الوطن العربي وأنها إن لم تقم بسرقة الثورات العربية القادمة فستظهر في العواصم العربية أنظمة حكم وطنية تعادي أمريكا وربما تهدد أمن حليفتها إسرائيل؛ لذلك سارعتْ لتندس في صفوف المعارضين الليبيين، وتتأهب لتندس في صفوف المعارضين السوريين مستخدمة إعلامها وإعلام أتباعها من العرب للتحريض وتهيئة الأجواء الدموية لتدخل أمريكي تحت ذريعة حقوق الإنسان وحماية المدنيين. لكن المراقب المحايد للأحداث يحق له أن يتساءل ببراءة: ماذا يُسمّى الذين يُحارب الأمريكيون في صفوفهم ومن أجلهم؟َََ!! وماذا يُسمّى الذين تـُحاربهم أمريكا وترفعهم على أعواد المشانق؟!!! ربما يقول قائل: إن أمريكا تكيل بألف مكيال وأنّ هذا الكيل ليس اعتباطيا أو مزاجيا بل إنه يتماهى مع المذهب الفلسفي البراغماتي الذرائعي الشائع في أمريكا، وهو مذهب يُشجع تبرير المواقف بذريعة أنها تأتي بالمنفعة، وهو ما يخدم المصالح الأمريكية حيثما وجدت، فإذا كانت مصلحة أمريكا مع الشعوب فإنها تحارب في صفوف الشعوب، وإذا كانت مصالحها تستتبُ مع الأنظمة فإنها تحارب في صفوف الأنظمة ودفاعا عنها كما فعلتْ بوقوفها إلى جانب نظام سكاشفيلي في جورجيا السوفييتية ووقوفها الحالي إلى جانب نظام حامد قرضاي في  بلاد الأفغان. ناهيك عن وقوفها المتواصل والداعم لسياسات إسرائيل العدوانية والتوسعية، لأنها ترى في إسرائيل نظاما ديمقراطيا حقيقيا وحيدا يضمن مصالحها في المنطقة العربية؛ فلماذا تناصر الفلسطينيين إذن؟! وهم حركة تحرر وطنية شريفة تؤمن بوحدة الوطن العربي وتناضل من أجل تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي 

د. محمد الجاغوب

الأربعاء، 30 مارس 2011

لا للتدخل الأمريكي في الشأن العربي

صرّح ناطق باسم الإدارة الأمريكية أن خطاب الرئيس بشار الأسد لم يكن في مستوى طموحات الشعب العربي السوري. غريب جدا أمر الإدارة الأمريكية فمنذ متى تحرص أمريكا وإداراتها المتعاقبة على طموحات الشعوب العربية؟! أليست أمريكا هي التي استباحت الحقوق العربية والأوطان العربية والدماء العربية والثروات العربية؟! أليست أمريكا هي التي ساندت إسرائيل في كافة حروبها ضد الإنسان العربي؟ أليست حقوق النقض الأمريكية أو ما يسمى بالفيتو هي التي قوّضت الأحلام العربية وخنقتْ طموحات الإنسان العربي؟ أليست أمريكا هي التي ساندت الأنظمة العربية ضد شعوبها عبر سنين طويلة؟ أليست أمريكا هي التي دمّرت ملجأ العامرية العراقي فوق رؤوس المدنيين الأبرياء عام 1991؟ أليست أمريكا هي التي احتلت العراق ودمرته وأعادته للعصر الحجري؟ أليست الطائرات الأمريكية هي التي قتلتْ مدنيين سوريين أبرياء في غارات على الحدود العراقية السورية؟ أليست الطائرات الأمريكية هي التي تدكّ معالم الحياة والعمران في الجماهيرية الليبية بذريعة مساندة المعارضة الليبية الباحثة عن التحرر والحالمة بالسلطة ولو سباحة فوق أنهار الدم؟ عيب على الإدارة الأمريكية هذا التدخل الصفيق في الشأن العربي. ليت الأمريكيين يعلمون أن العلاقة بين أمريكا وبين العرب وصلت حدّ كسر العظم وأن الجماهير العربية لا تثق بالسياسة الأمريكية ولا بالساسة الأمريكيين وترفض بشدة الحرية التي تعدها بها أمريكا. إن العرب الذين يستغيثون بالأمريكيين ليسوا إلا كمن يستغيث من الرمضاء بالنار/  د. محمد الجاغوب




الاثنين، 28 مارس 2011

إنَّ مِن الشِعــر ِ لـَحِكمة


إنَّ مِن الشِعــر ِ لـَحِكمة
بقلم د. محمد الجاغوب 
 
فــيا أمّـــة دبَّ فيـها الفـسادُ وطـَــمّ بأقـطـــابــها واغــتــــلى
ومــا أتـقــنتْ غـيرَ فـــن النـــفاق غــَـذتهُ وروّتـهُ حتـى رَبـا
إذا رفّ نـجـْـــمٌ فــخــُــدّامـُـه وأحـــنـَـقُ أعــدائـهِ إن هـــوى
غلـوتـُم بإسفافِ
ـــكم في الهــوان فسُحــقـًا لــكم يا عبيدَ العَصَـا

الأبيات السابقة وردَتْ في مسرحية شعرية عنوانها (غروب الأندلس) للشاعر العربي الكبير عزيز أباظة، الذي وُلدَ عام 1898 بمدينة الزقازيق بمصر. والأبيات وردتْ على لسان عائشة والدة الملك أبي عبد الله، قالتها مخاطبة قادة الأندلس المتهافتين على إبرام صلح مع الإسبان يقضي بتسليمهم مدينة غرناطة المعقل الأخير للعرب في بلاد الأندلس. ويتضح من الأبيات سُخطـُها وغضبُها من أمّة عربية اعتاد أفرادها النفاقَ والتملق لملوك الأندلس وأمرائها أثناء عزِّهم ومَجدهم،  وعندما يدور الزمان دورته ويضعف أحد هؤلاء الملوك يُسارع أولئك الناسُ لذمّه والتهجّم عليه ونعته بأقبح الصفات ويدعون لرحيله والخلاص منه، ناسين  قصائد المديح التي قيلتْ في مدحه والحناجر التي بُحـّتْ بالهتاف له أيام عِزّه. فهي أمّة فشا فيها الفسادُ وعمّ كلّ شرائحها، وهي أمّة لا يُتقن أفرادُها غيرَ النفاق والتزلـف، ومن مظاهر ذلك النفاق أنهم مع الحاكم وهو في أوج قوته ومَجده، يخدمونه بأعينهم، وإذا ما هوى نجمُه وضعفتْ قبضته أظهروا له الكراهية والمَقت. وقد بالغوا في هذا النهج إلى حد الإسفاف. وعائشة في هذا الموقف تدعو عليهم بالسحق عقابًا لجنايتهم، وتصفهم بأنهم عبيد العصا أي يخضعون ويذلـّون لمن يستعبدهم بالقوة. ومصطلح (عبيد العصا) ورد في بداياته على لسان الشاعر العربي الجاهلي عَبيد بن الأبرص بن عوف بن جُشم الذي ينتهي نسبه إلى بني أسد. وقد عُمِّرَ عَبيد ما يزيد عن ثلاثمئة سنة، وشهد مقتل حُجر بن الحارث ملك كِندة، وكان حُجر قد تملـّكَ على بني أسَد أيضا فكان يأخذ منهم شيئا معلوما من المال في كل سنة. وحدَثَ أنهم امتنعوا ذات سنة عن الدفع له فسار إليهم بجيش فأخذ سادتهم وقتلهم بالعِصيّ، واعتقل طائفة أخرى من بينهم الشاعر عَبيد بن الأبرص، فوقف عبيد بين يدي الملك واصفا حال قومه من الذل والبلاء ومُستعطفا الملك حُجر، وقال قصيدة هذه بعض أبياتها:
يا عـين ما فابـكي بـني أسَـدٍ هـمُ أهـلُ النّـدامــة
في كل وادٍ بيـن يثـربَ والقـصور إلى اليَمـامَـه
تـطـريبُ عانٍ أو صياحُ مُـحــرَّقٍ وزقـاءُ هامَه
أنـتَ المَليــكُ عليهــمُ وهــمُ العبــيدُ إلى القِـيامَه

فرحِمَهم الملك وأشفقَ عليهم وعفا عنهم وأطلقَ سراحهم وردّهم إلى ديارهم. فلمّا كانوا على مسيرة يوم من تهامة تكهّنَ كاهنهُم عوف بن ربيعة الأسدي فقال لهم: ياعبادي! فقالوا لبّيكَ ربّنا! فقال: والغلاّبُ غيرُالمغلـّب في الإبل كأنها الرَبرَب لا يُقلقُ رأسَه الصَخَب هذا دمُهُ يثعبْ وهو غدًا أوّلُ من يُسلب. فقالوا: مَن هو ربَنا؟ قال: لولا تجيشُ نفسٌ جايشه أنبأتكم أنه حُجرُ ضاحية. فركبَ بنو أسد ركائبَهم وعادوا إلى حُجر فوجدوه نائما والوقت ضُحى، فدخلوا عليه وقتلوه غيلة وشدّوا على إبله واستاقوها معهم.

الأحد، 27 مارس 2011

أهمية الطابع السلمي للثورات العربية المعاصرة



منذ نصف قرن والوطن العربي يئنّ تحت أنظمة حكم شمولية فردية قمعية متسلطة، وعندما قام الشعبان العربيان في تونس ومصر بحركتهما الشعبية السلمية تيمّنَ بهما العرب في كافة أقطارهم ودعوا للثورتين بالنصر فكان انهيار حكم الطاغيتين ابن علي وحسني مبارك. وتلاحقت الأحداث في وطن يتوق إلى الحرية فكانت الحركة الشعبية الليبية التي بدأت سِلمية الهدف والأسلوب ونالت تعاطف العرب والشعوب الصديقة. ولكن ما لبثتْ أن ركبتْ موجة هذه الحركة قوى سلفية إسلامية متطرفة و قوى استعمارية متغطرسة وقوى الأعاجم والأقليات الحاقدة على العرب وانضمت إلى هذه القوى الرجعية العربية المُتصيدة في الماء العكر الباحثة عن الأمجاد الوهمية المتعطشة للشهرة والدارئة عن نفسها شبهة الشمولية والديكتاتورية فكان أن انحرفتْ بوصلةالحركة الشعبية الليبية عن مسارها ودخلت في أتون نزاع مسلح بدعم عسكري من القوى المذكورة والنتيجة إطالة أمد الصراع وسيل مزيد من الدماء وخراب الوطن العربي الليبي. وعندما نستمع إلى بعض رموز الحركة الشعبية الليبية وهم يتحدثون بأريحية من خلال القنوات الفضائية نحس بأن عداءَهم للعقيد معمر القذافي يستولي على عقولهم لدرجة الإعلان بصراحة عن ترحيبهم بالدعم العسكري الأمريكي والرجعي العربي وربما يقبلون الدعم الإسرائيلي لو قـُدّم لهم. من هنا صار المواطن العربي يتساءل هل من فرق بين هؤلاء وبين المعارضة العراقية التي استقوت بالغزو الأمريكي للتخلص من حكم الرئيس صدام حسين فكان أن أوصلت العراق إلى الاحتلال والانقسام والحرب الأهلية. والمتابع للأحداث يوشك أن يتوصل إلى أن تلك القوى المشبوهة ذاتها هي التي تلعب بالنار داخل الجمهورية العربية السورية وبالأدوات ذاتها وتريد أن تحرق المراحل فلم تقم فيها حركة شعبية مسالمة بل إنها ولدت من رحم العنف وسفك الدماء منذ اليوم الأول، وأغلب الظن أنها لن تهدأ حتى تصل إلى ما تريده وهو السلطة ونهب الثروات وإضعاف القوى المعادية لإسرائيل. وفي نظرة موازية على الأوضاع في البحرين على سبيل المثال وهي أوضاع مشابهة تماما من حيث السعي إلى التحرر الوطني والإصلاح والتغيير وإقامة نظام ديمقراطي يتسم بالعدالة فإن تلك القوى المشبوهة سارعت إلى لملمة الوضع في البحرين وإنهائه بأي وسيلة حتى لو كان في ذلك ازدواجية في المعايير والأسباب معروفة. لقد قامت في الوطن العربي خلال المئة سنة الأخيرة ثورات شريفة الأهداف منزهة الأساليب وسطـّرتْ صفحات خالدة في سفر التحرر العربي، ولا يغيب عن عين المثقف ثورة أحمد عرابي في مصر  وثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق وثورة الضباط الأحرار في مصر وثورة اليمن الجنوبي وثورة السلال والثورات السورية والفلسطينية والجزائرية، وهذه كلها نالت الشرف من كونها عدوة للاستعمار الأوروبي والأمريكي والصهيوني الذي لم يتبنَّ تلك الثورات ولم يدافع عنها بل حاربها دون هوادة.  إنّ الحكومات العربية مطالبة اليوم بالتوجه نحو إصلاح حقيقي للأوضاع الفاسدة في الوطن العربي ومطالبة بمنح الجماهير العربية حرية التعبير وحرية المشاركة في صنع القرار. وإن الجماهير العربية مطالبة بالتنبّه لحقيقة ما يجري وفضح المخططات المشبوهة وعدم الانخداع بالشعارات البراقة والتضليل الإعلامي المزيّف والمأجور. كما أن هذه الجماهير عليها أن تنحني احترامًا للشعبين التونسي والمصري اللذين برهنا على أنهما يتحليان بسمو الهدف ورفعة الأسلوب إضافة إلى الروح الوطنية والقومية العالية حيث لم يفسحا المجال لتلك القوى الظلامية لكي تندس بين صفوفهما وتسرق الثورة منهما د. محمد الجاغوب

الجمعة، 18 مارس 2011

الإصلاح السياسي في الوطن العربي


الإصلاح السياسي في الوطن العربي
د. محمد الجاغوب

             بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م بدأت تشيع في أرجاء الوطن العربي ثقافة الإصلاح السياسي، تلك الثقافة التي لم تألفها الجماهير العربية ولم يألفها حتى الداعون إليها والمنادون بها، وراحت تتناقلها وسائل الإعلام وتروج لها. والحقيقة أنّ مصطلح الإصلاح السياسي في وطننا كلمة حقٍ يراد بها باطل، لأنها لم تولد في وطننا ولادة طبيعية ولا شرعية بل أُنزلت علينا من الجو نزول الجنود الغزاة بالمظلات أو نزول القنابل الانشطارية على رؤوس الأبرياء وليس عصيّاً على ذي بصيرة أن يدرك الهدف من ورائها ومن وراء توقيتها. لقد أحس الأمريكان بمدى الكراهية والحقد اللذين تختزنهما الذاكرة العربية تجاههم، لكنهم لم يدركوا الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تلك التراكمات، ومن أبرز تلك الأسباب دعمهم لإسرائيل التي تحتل الأرض العربية، وحمايتهم للطغاة الذين يُمعنون في قهر الناس وكبت أنفاسهم ويحتكرون لأنفسهم حق سياستهم، علاوة على نهبهم لثروات الوطن وتبديدها في وجوه غير مشروعة. لذلك اختار الأمريكيون العزف على وتر الإصلاح السياسي، وتظاهروا بالرغبة في محاسبة أصدقائهم من الحكام فراحوا يدعونهم إلى الإصلاح ونبذ الاستبداد وتحسين ظروف شعوبهم، بل وربما أصدروا أوامرهم لدعم هذا التوجه. وعلى أثر ذلك قام بعض هؤلاء الحكام وأعوانهم بتسريب تصريحات حول نيتهم في الإصلاح، لا بهدف الإصلاح الحقيقي بل بهدف إطالة أمد حكمهم المستبد وإضفاء شيءٍ من الشرعية عليهم، فراحوا يتحدثون عن حقوق المرأة التي امتهنوها سنين طويلة واعدين المرأة بالمشاركة في بعض أنواع الانتخابات الهامشية، وإعطائها بعض الحقائب الوزارية ومنحها حق العضوية في مجالس لا يقدم رأيها ولا يؤخر. كما قرروا التساهل في شكليات أخرى لا تسمن ولا تغني من جوع مثل التسامح بارتداء البنطال ووضع الباروكة على الرأس.

إن الإصلاح الحقيقي لا يتم مع الشمولية والتفرد والحكم مدى الحياة، إنّ مِن أول متطلبات الإصلاح السياسي إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية حقيقية، ورفع اليد عن وسائل الإعلام الحكومية التي تجلب الهم لكل من يشاهدها، وتحرير المنابر من الخطباء المأجورين الذين يضللون الناس، والتوزيع العادل للثروة ومحاسبة الفاسدين والرقابة الصارمة على أموال الأمة.  إن إصلاحاً من هذا القبيل فقط يكون له معنى، وإذا ما أراد الأمريكيون فعلاً تشجيع إصلاحٍ حقيقي وخلق ديمقراطية حقيقية في وطننا فما عليهم إلا أن يقولوا لأصدقائهم من الحكام العرب القول المأثور: إما اعتدلتم وإما اعتزلتم!! ومعلوم أنّ الاعتدال والاعتزال بالنسبة لهؤلاء يساوي الموت. أما إذا كان الإصلاح شكلياً فهذا يعني إضفاء الشرعية على النظم الحالية وتحسين صورتها في أعين الناس، إلا أنّ ذلك لن يطول كثيرًا، فإنّ للصبر حدودًا تنتهي الشعوب إليها، ولا بد ّأن يأتي اليوم الذي تقول فيه الشعوب كلمتها الفصل بشأن حريتها التي ربما تكون حمراء قانية ولكنها ستقود إلى نصر محتوم.

             إن الأمريكيين يعلمون عِلم اليقين أنه بمجرد حدوث إصلاح حقيقي وظهور ديمقراطية حقيقية في الوطن العربي سيختفي أصدقائها وموالوها التقليديون وتظهر قيادات شرعية شابة ووطنية تمثل الشعوب. والشعوب كما هو معروف لا تقبل بمهادنة من يحتل أرضها، وهذا في حد ذاته يشكل خطراً حقيقياً على إسرائيل، وهذا ما لا ترضاه أمريكا، وهو بالنسبة لها خط أحمر لا يمكنها تجاوزه إلا رغمًا عنها، لذلك فإنها ستظل تتحدث مع أصدقائها العرب عن إصلاحات شكلية تذرُّ الرماد في عيون الجماهير لتخدرها، وتحفظ ماء الوجه للأنظمة وتطيل أمد بقائها ما أمكن.

                   د. محمد الجاغوب