السبت، 5 مارس 2011

هل بدأت الحركة الشعبية في ليبيا تخرج عن سِلميَّـتها


هل بدأت الحركة الشعبية في ليبيا تخرج عن سِلميَّـتها
بقلم   د. محمد الجاغوب  
الحركة الشعبية الليبية بدأتْ كحركة احتجاج سِلمية شأنها شأن الحركتين الشعبيتين في تونس ومصر فاكتسبتْ بادئ الأمر زخمًا وتأييدا جماهيريًا عربيّا ودوليّا عارمًا، ولكنها سرعان ما تعسكرتْ وصارت حربا طاحنة بين فريقين: الدولة بجيشها والمعارضون للدولة بعناصرهم التي تسللتْ إلى ليبيا بعد الانفلات الأمني وبالأسلحة التي استولتْ عليها من مخازن الجيش النظامي، والصور الميدانية التي تبثها القنوات الفضائية تظهر مشاهد من المعارضين وهم يستخدمون أنظمة الدفاع الجوي ويهزمون الجيش النظامي في أكثرمن موقعة؛ وهذا ما يؤيد الرواية الحكومية التي تقول بأن تنظيم القاعدة وتيارات إسلامية مُدرّبة متطرفة ومعارضين ليبيين كانوا يختبئون في عواصم الغرب هي التي تدير المواجهات الآن، ولعلّ هذا التشابه في القوة هو الذي يحول دون الحسم ويؤدي لإطالة أمد النزف الدموي، وهو الذي بدأ يُقلـّل من حجم التأييد العربي والدولي لمطالب تلك المعارضة التي راحت تـُحرّض الغرب ومجلس الأمن على بلادها وتنتظر أن تهب الرياح لصالحها لتغنمَ السلطة بعد العقيد القذافي تماما مثلما فعل معارضو الرئيس العراقي صدام حسين عندما وصلوا لحكم العراق على دبابات الاحتلال الأمريكي، إنّ الذي يتابع بث فضائيتي الجزيرة والعربية يكتشف أنهما تجريان مقابلات مستمرة مع معارضين ليبيين من ذوي الاتجاهات الإسلامية الطامحين إلى الحكم وأنهما تشحذان هِممَ مقاتلي المعارضة وتصفان أولئك المقاتلين بالمدنيين المسالمين العُزّل، إذا كان أولئك المعارضون مجرد أناس ٍعُزّل فكيف يستولون على المواقع الحكومية ويُسيطرون على مدن الدولة ويُجبرون الجيش الليبي على التراجع عن مواقعه المُحصّنة؟! عندما تمّ إقصاء زين العابدين بن علي وحسني مبارك عن سدة الحكم في بلديهما تمكن الجيشان التونسي والمصري من ضبط حدود البلاد ومنع تسلل تنظيم القاعدة وسائر التيارات الإسلامية المتطرفة؛ لذلك لم تحدث مواجهات مسلحة بين المحتجين المسالمين وقوات الجيش في البلدين، أما في ليبيا فالبلاد واسعة والجيش أقل قوة من ذانك الجيشين. والجماهير العربية التي ساندت بقوة حركات التحرر الشعبية في تونس ومصر تقف الآن حائرة على الأرجح تجاه ما يجري في الجماهيرية الليبية، هل هي ثورة شعبية مدنية مسالمة أم هي تنظيمات مسلحة ومعارضون انتهازيون وصوليون يبحثون عن السلطة فوق جماجم المدنيين الأبرياء؟. نعم هذه هي ليبيا ذات الخصوصية التي تحدث عنها سيف الإسلام القذافي والتي تقف الآن على حافة حرب أهلية قد تؤدي إلى تقسيم البلاد واستباحة ثرواتها النفطية. وذلك هو العراق المُوحَد المستقر في عهد الرئيس صدام حسين. وها هو العراق الممزق الآن أرضا وسكانا يرزح تحت نير الاحتلال الأمريكي منهوبة ثرواته مهدورة دماء أبنائه. والأغلبية الصامتة من شعب العراق يترحّمون على عهد الرئيس صدام حسين الذي ضمِنَ لهم عراقا قويّا غنيًّا عزيزا وآمنًا. العرب في أقطارهم يتمنون لليبيا وللعراق ولشعبيهما الأمن والاستقرار والازدهار وأن تنجلي الغمة من فضاء ذانك البلدين الشقيقين، وأن تتعظ حركات التحرر في الأقطار العربية الأخرى فتحافظ على مسارها السلمي وتنأى بطريقتها في الاحتجاج عن اللجوء للعنف والخراب وسفك الدماء؛  لأن الخسارة في صفوف الشعب وفي صفوف الحكومات هي خسارة للأمة وللوطن.

هل بدأت الحركة الشعبية في ليبيا تخرج عن إطارها السِلميّ



هل بدأت الحركة الشعبية في ليبيا تخرج عن سِلميَّـتها
بقلم  د. محمد الجاغوب

الحركة الشعبية الليبية بدأتْ كحركة احتجاج سِلمية شأنها شأن الحركتين الشعبيتين في تونس ومصر فاكتسبتْ بادئ الأمر زخمًا وتأييدا جماهيريًا عربيّا ودوليّا عارمًا، ولكنها سرعان ما تعسكرتْ وصارت حربا طاحنة بين فريقين: الدولة بجيشها والمعارضون للدولة بعناصرهم التي تسللتْ إلى ليبيا بعد الانفلات الأمني وبالأسلحة التي استولتْ عليها من مخازن الجيش النظامي، والصور الميدانية التي تبثها القنوات الفضائية تظهر مشاهد من المعارضين وهم يستخدمون أنظمة الدفاع الجوي ويهزمون الجيش النظامي في أكثرمن موقعة؛ وهذا ما يؤيد الرواية الحكومية التي تقول بأن تنظيم القاعدة وتيارات إسلامية مُدرّبة متطرفة ومعارضين ليبيين كانوا يختبئون في عواصم الغرب هي التي تدير المواجهات الآن، ولعلّ هذا التشابه في القوة هو الذي يحول دون الحسم ويؤدي لإطالة أمد النزف الدموي، وهو الذي بدأ يُقلـّل من حجم التأييد العربي والدولي لمطالب تلك المعارضة التي راحت تـُحرّض الغرب ومجلس الأمن على بلادها وتنتظر أن تهب الرياح لصالحها لتغنمَ السلطة بعد العقيد القذافي تماما مثلما فعل معارضو الرئيس العراقي صدام حسين عندما وصلوا لحكم العراق على دبابات الاحتلال الأمريكي، إنّ الذي يتابع بث فضائيتي الجزيرة والعربية يكتشف أنهما تجريان مقابلات مستمرة مع معارضين ليبيين من ذوي الاتجاهات الإسلامية الطامحين إلى الحكم وأنهما تشحذان هِممَ مقاتلي المعارضة وتصفان أولئك المقاتلين بالمدنيين المسالمين العُزّل، إذا كان أولئك المعارضون مجرد أناس ٍعُزّل فكيف يستولون على المواقع الحكومية ويُسيطرون على مدن الدولة ويُجبرون الجيش الليبي على التراجع عن مواقعه المُحصّنة؟! عندما تمّ إقصاء زين العابدين بن علي وحسني مبارك عن سدة الحكم في بلديهما تمكن الجيشان التونسي والمصري من ضبط حدود البلاد ومنع تسلل تنظيم القاعدة وسائر التيارات الإسلامية المتطرفة؛ لذلك لم تحدث مواجهات مسلحة بين المحتجين المسالمين وقوات الجيش في البلدين، أما في ليبيا فالبلاد واسعة والجيش أقل قوة من ذانك الجيشين. والجماهير العربية التي ساندت بقوة حركات التحرر الشعبية في تونس ومصر تقف الآن حائرة على الأرجح تجاه ما يجري في الجماهيرية الليبية، هل هي ثورة شعبية مدنية مسالمة أم هي تنظيمات مسلحة ومعارضون انتهازيون وصوليون يبحثون عن السلطة فوق جماجم المدنيين الأبرياء؟. نعم هذه هي ليبيا ذات الخصوصية التي تحدث عنها سيف الإسلام القذافي والتي تقف الآن على حافة حرب أهلية قد تؤدي إلى تقسيم البلاد واستباحة ثرواتها النفطية. وذلك هو العراق المُوحَد المستقر في عهد الرئيس صدام حسين. وها هو العراق الممزق الآن أرضا وسكانا يرزح تحت نير الاحتلال الأمريكي منهوبة ثرواته مهدورة دماء أبنائه. والأغلبية الصامتة من شعب العراق يترحّمون على عهد الرئيس صدام حسين الذي ضمِنَ لهم عراقا قويّا غنيًّا عزيزا وآمنًا. العرب في أقطارهم يتمنون لليبيا وللعراق ولشعبيهما الأمن والاستقرار والازدهار وأن تنجلي الغمة من فضاء ذانك البلدين الشقيقين، وأن تتعظ حركات التحرر في الأقطار العربية الأخرى فتحافظ على مسارها السلمي وتنأى بطريقتها في الاحتجاج عن اللجوء للعنف والخراب وسفك الدماء؛  لأن الخسارة في صفوف الشعب وفي صفوف الحكومات هي خسارة للأمة وللوطن.

السبت، 26 فبراير 2011

ما هي حقيقة الشيخ يوسف قرضاوي


ما هي حقيقة الشيخ يوسف قرضاوي
بقلم رئيس مُفوضية إسرائيل في قطر - عن صحيفة (إسرائيل اليوم) 25/2/2011

في 18 شباط ( فبراير) 2011 عاد الشيخ يوسف القرضاوي إلى مصر بعد مكوثه عشرات السنين خارج وطنه، كان البعض يعتقد أنه مُبعدٌ عن مصر وأنّه مطلوبٌ للسلطات المصرية وهذا الاعتقاد ساعد على إحاطة القرضاوي بهالة من الاحترام والتبجيل. لكنّ الحقيقة تقول أنّ القرضاوي كان يستطيع العودة لمصر لو أنه كان مَعنيا بذلك. وقد سافر قرضاوي للقاهرة في 31 آب (أغسطس 2006 وخطبَ في اتحاد الصحافيين من غير أن تعتقله السلطات المصرية أو تضايقه . وزَعَمَ أشياعُه ومناصروه  أنه ممنوع من دخول الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الأمريكيين يشكون من وجوده في قطر. لكنني وفي فترة مكوثي في قطر قالت لي السفيرة الأمريكية اليزابيث ماكيون: إنها اعتادت لقاء القرضاوي وإنّ الزعيم الورع  قال لها من جملة ما قال: إنّ ابنته تدرس في لندن وإنها لا تضع الحجاب على رأسها. وقالت ماكيون: لم يُقدّم القرضاوي طلبَ سِمة دخول للولايات المتحدة ولو قدّمها لحصلَ عليها. وقد قدّرَ الأمريكيون سببَ الإشاعات بأن القرضاوي مطرود من مصر وممنوع من دخول أمريكا بأنّه يعود لرغبة القرضاوي في تعزيز صورته في العالم الإسلامي لأنه يعارض الغرب والزعماء الفاسدين الذين يأتمرون بإمرَتِه .
وقد حوّلَتْ  قناة الجزيرة القرضاوي من زعيم ديني مصري الى أهم مُـفتٍ إسلامي في العالم من خلال مشاركته  في البرنامج الأسبوعي المُسمّى 'الشريعة والحياة والذي كان يقدمه أحمد منصور ربيب الإخوان المسلمين، وقد جَعَلتـْه شعبية البرنامج شخصية مركزية في العالم العربي وشخصية ذات قيمة كبيرة في نظر حكام قطر. وكان تأييدُ القرضاوي  أنْ مَنـَحَ حكامَ قطر الشرعية الإسلامية التي يحتاجونها ومقابل ذلك حَظِيَ القرضاوي برعاية الأمير السخية وبعطاياه الجزيلة.  
في عام  1999 وصلتُ قـَطـَر لأعمل فيها رئيسا للمفوضية الإسرائيلية في الإمارة، التقيت رئيس جامعة قطر وطلبتُ أن يُنظـِّمَ  لي لقاء بالقرضاوي فقال لي: القرضاوي ذخيرة قومية ولا يُدارُ من الجامعة بل من قصر الأمير مباشرة.
بعد انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000 كان القرضاوي هو الذي منحَ  زعيم حزب الله (حسن نصر الله) الشرعية في العالم السُنـيّ  فقد قال القرضاوي آنذاك: إنّ السيد حسن نصر الله مُسلمٌ حاربَ إسرائيل وانتصر وينبغي تأييدُه تأييدا تامًّا. ثم تغيّرت لغة القرضاوي في السنين الأخيرة تجاه حِزب الله وتجاه السيد نصر الله تغيّرا كبيرا تبعًا لمواقف الزعماء العرب الذين لم يكونوا يتمنون انتصار حزب الله.  وبعد انتصار ثورة يناير المصرية وسقوط نظام مبارك يسعى القرضاوي لأن يكون صورة سُنيّة مصرية للإمام الخميني الذي قاد ثورة شيعية أسقطت حُكمَ الشاه في إيران عام 1979. كان القرضاوي حتى السنين الأخيرة يشكّ في القدرة على إحداث تغيير سياسي في مصر وفضّلَ تعزيزَ صورته في قطر، أمّا الآن فقد بات يؤمن  بأن ميزان القوى في مصر قد تغير، وأنّ الإخوان المسلمين يقفون أمام نافذة فرص تاريخية، وللقرضاوي في هذا الصدد ورقـتا لعب مُهمّتان، هما: قناة الجزيرة ومالُ الأمير القطري  وسيلعبهما لتحقيق مآربه في مصر، ولكنّ الذي يحول بين القرضاوي وبين تحقيق طموحاته هو الجيش المصري العارف جيدا بخططِه وبخطط الإخوان المسلمين السياسية.

الاثنين، 21 فبراير 2011

نظرة على سياسات العقيد الليبي معمر القذافي

قام العقيد الليبي معمر القذافي بثورة الفاتح يوم الأول من أيلول سبتمبر 1969 ضد النظام
الملكي السنوسي ، وبعدها بأشهر قليلة قام بطرد القواعد الأمريكية والبريطانية التي كان يستضيفها السنوسي على أرض ليبيا ، وبذلك فاز العقيد معمر القذافي بمعاداة الدول الغربية، تحمّس العقيد القذافي لفكرة وحدة الوطن العربي فحاول تحقيق شيء منها مع كل من مصر  وتونس فلم يفلح في تحقيق حلمه، ونتيجة حماسته لفكرة القومية العربية غضبت عليه التيارات الإسلامية فناصبته العداء. بلغ من عداء أمريكا له أن قصفت الطائرات الأمريكية قصرَه في مطلع الثمانينات، ثم اتهمته الإدارة الأمريكية بإسقاط طائرة (البان أمريكان) فوق مديبنة (لوكربي) البريطانية، على أثرها بلغ العداء الأمريكي للعقيد ذروته ففرضت عليه وعلى بلاده حصارًا محكما شاركت فيه دول عربية عانت منه ليبيا كثيرا وطويلا ، لم يقف أحد من القادة العرب إلى جانب ليبيا ، غير أنّ نفرا من القادة الأفارقة قاموا مجتمعين برحلة جوية إلى طرابلس الغرب لكسر الحصار الأمريكي المفروض فما كان من العقيد القذافي إلا أن أدار ظهره للعرب واتجه لإقامة اتحاد إفريقي فرفع شعار  خارطة القارة الإفريقية، وظل القادة العرب متفرجين إلى أن طرأ تحول على سياسة العقيد فقرر تسليم المتهمين الليبيين ودفع فدية باهظة لضحايا الطائرة الأمريكية المنكوبة ومنذ ذلك الوقت أخرج العقيد بلاده من دائرة العداء الأمريكي. لكن العقيد القذافي كان الوحيد من بين الزعماء العرب الذي انتقد غزو أمريكا للعراق وانتقد الدول العربية التي سهّلت لأمريكا ذلك الغزو  ، وكان الزعيم العربي الأوحد الذي انتقد صمت الزعماء العرب إزاء محاصرة إسرائيل للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وانتقد صمتهم إزاء اعتقال أمريكا للرئيس العراقي صدادم حسن ومحاكته وإعدامه
د. محمد الجاغوب

الاثنين، 31 يناير 2011

أمريكا والنزعات الانفصالية في العالم


أمريكا والنزعات الانفصالية في العالم

         لا تنفكّ الولايات المتحدة الأمريكية عن التدخّل في الشؤون الداخلية للدّول غير الحليفة لها، فسياستها تقوم على تفتيت القوى التي ترى فيها منافسة لها، أو ترى أنّها تشكلُ خطرا على مصالحها، بهدف المحافظة على تفرّدها في الهيمنة على مقدّرات الشعوب الأخرى وعلى مصائرها، وقد استخدمتْ هذه السياسة في تعاملها مع الاتحاد السوفييتي ، وروسيا الاتحادية، ومع الوطن العربي، و يوغسلافيا وإندونيسيا، والصين الشعبية.
         ففي حقبة الحرب الباردة وجدتْ أمريكا في ما يُسمّى بربيع (براغ) فرصة سانحة لانفصال تشيكوسلوفاكيا عن دول المنظومة السوفييتية، غير أنّ الجيش الأحمر السوفييتي حَسَمَ الأمرَ عندما اجتاحتْ دباباته (براغ) صبيحة يوم21 /8/ 1968، وأنهى أكذوبة ذلك الربيع، ثمّ لجأتْ أمريكا إلى زرع أوتادها من العملاء، أمثال (ليخ فاليسا) زعيم حركة تضامن البولندية لينخرَ الجسد السوفييتي من الداخل، بدعوى أنّ الطبقة العاملة السوفييتية أقلّ ترفيها من مثيلاتها في الغرب، وواظبتْ واشنطن ّعلى دعم هؤلاء العملاء حتى اكتملتْ فرحتها باستقالة ميخائيل غورباتشوف آخر الرؤساء السوفييت، وتفسّخ الإمبراطورية السوفييتية على يديه، فكان أنْ سارعتْ إلى دعم استقلال جمهوريات البلطيق.
         وفي مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي واصلتْ أمريكا السياسة ذاتها، فاتجهتْ أنظارُها إلى تفتيت الفيدرالية الروسية، فراحت هي وعملاؤها تثير القلاقل في أقاليم القوقاز الروسية، وتدعمُ النزعات الانفصالية فيها، ثمّ عملتْ على تفتيت الاتحاد اليوغسلافي بالحرب المدمّرة حينا، وبالضغوط الدولية أحيانا أخرى، فكان دعمُها لانفصال جمهورياته واحدة تلو الأخرى، بدءا بالبوسنة والهرسك، مرورا بكرواتيا والجبل الأسود، وانتهاء بإعلان ما يسمى باستقلال إقليم كوسوفو.
         ثمّ تدخّلتْ أمريكا في الشأن الإندونيسي، فناصرَتْ النزعة الانفصالية لسكان تيمور الشرقية، وأمّنتْ لهم غطاء سياسيا وعسكريا دوليا، مكّنهم من الانفصال عن إندونيسيا عام 1999، لأنّ الأدوار السياسية والاقتصادية القوية التي لعبتها أندونيسيا في منظومتي دول عدم الانحياز ورابطة دول جنوب شرق آسيا لم تعجب الولايات المتحدة، بل وربّما أغضبتها.
         وفي عام 1989 وجدت أمريكا في تمرّد الطلبة الصينيين في ميدان (تيانانمن) فرصة لإثارة المتاعب لحكومة الصين الشعبية، ظنّا منها أنّ هذه المتاعب ستقود إلى إنهاء الحكم الشيوعي فيها، فكان أنْ أطلقتْ على ذلك التمرّد (ربيع بكين)، وزَعَمَتْ أنّ ما قام به الطلبة المتمرّدون يُعَدّ مظهرا من مظاهر المناداة بالديمقراطية والإصلاح السياسي، ولكنّ الجيش الصيني حَسَمَ الأمرَ في الميدان المذكور، وأعاد الأمور إلى نصابها، فاندكّتْ آمال الأمريكيين، وأحْبطتْ مخططاتهم، لكنّهم ظلوا لسنوات يتغنّون بربيع (بكين) المزعوم، ويُحرّضون بعض الصينيين المقيمين خارج وطنهم على إقامة الاحتفالات بهذه الذكرى كلّ عام.
         وفي سبتمبر أيلول 2007 اندلعت احتجاجات عنيفة في شوارع (رانغون) عاصمة مينمار (بورما)، ووقف على رأس تلك الاحتجاجات رهبان بوذيون يطالبون مجلسهم الحاكم بالديمقراطية والإصلاح، وبصرف النظر عن مدى عدالة قضيتهم إلا أنّ الولايات المتحدة ربما فبْركتْ ذلك في بورما، وسخّرت له آلة إعلامها أياما وليالي، لأنّ النظام الحاكم فيها لا يُعجب الأمريكيين، أو لأنها ترغب في إثارة القلاقل على حدود الصين الشعبية، وحتى لو لم تفبْرك أمريكا تلك الأحداث في مينمار إلا أنّ دعْمَها لها يثيرُ الشك والريبة، فمِن غير المتعارف عليه أنْ تتدخّل أمريكا في أيّ مكان لوجه الله تعالى.
         ويلاحِظ المراقبون أنّ الأصابع الأمريكية تمتدّ هذه الأيام للعبث بأمن واستقرار منطقة (التبت) الصينية، حيث أوعزتْ لعميلها (الديلاي لاما) للتحريض على التظاهر ضد حكومة (بكين) بدعوى المطالبة بالديمقراطية في ظاهر الأمر، أمّا في الحقيقة فهي تسعى لإفساد استضافة الصين لدورة الألعاب الأولمبية القادمة، واندلعتْ اشتباكات في (لاسا) عاصمة الإقليم، وسالت دماءٌ، وأزهقتْ أرواحٌ، وأتلفتْ مُمتلكات، وانبرتْ واشنطن تتباكى وتطالب الحكومة الصينية بضبط النفس، فعَنْ أيّ ضبطٍ للنفس يتحدّث الأمريكيون؟! إنّ ضبط النفس مطلوب عادة في النزاع بين الدول، وليس على حساب الأمن الداخلي لتلك لدول، والمطلب الأمريكي هذا لا يعدو أنْ يكون كلمة حقّ يُراد بها باطل، لكنّ الحكومة الصينية تعرفُ مصلحتها جيدا، ومن المتوقّع أنْ تعالجَ الفوضى، وتستعيد أمنَ الإقليم بسرعة، على الرغم من التحريض الأمريكي والتضخيم الإعلامي للأحداث.
         وفي الوطن العربي وبعد أنْ اطمأنّت أمريكا إلى أنّ الحكومات العربية قد شربتْ نَخْبَ اتفاقية (سايكس بيكو) واقتنعت بتقسيماتهما للوطن العربي، ودليل اقتناعها حرصُها على ترسيم الحدود المصطنعة فيما بينها، وإقامتها الاحتفالات بذلك الترسيم دون أدنى شعور بالذنب أو الحرج، ثمّ انتقال عدوى الانقسام إلى الجماهير العربية، وتجرّعها سُموم النزعات الإقليمية والقُطرية البغيضة، فراحتْ كلّ قبيلة عربية تتغنى بأمجاد قطرها، إلى أنْ صار أهلُ كلّ قطْر بما لديهم فرحين.
         نعَمْ، بعد أنْ اطمأنت الولايات المتحدة لما آل إليه الوضع في الوطن العربي انتقلتْ إلى تجزئة المُجزّأ وشرذمة المُشرذم، فاتجهتْ لدعم الأقليات العرقية في كلّ قطر عربي، فكان أنْ شنّت حربا طاحنة على العراق عام 1991 لحماية أمْن الكويت أولا، ولتوفير ملاذ آمنٍ للأقلية الكردية في شمال العراق ثانيا، وشنّتْ عليه حربها الثانية عام 2003 لوقاية إسرائيل مِن أسلحة الدمار الشامل العراقية، فكان أنْ احتلّت العراق، ومكّنتْ الأكراد من الانفصال بشماله عن الدولة الأم، ولولا علاقاتها الوطيدة مع تركيا لاعترفتْ لأكراد العراق بدولتهم المستقلة في الشمال العراقي.
         ونظرتْ إلى السودان العربي فوجدته واسعا، وغنيا بسكانه وثرواته، فأشعلتْ فيه انشقاق إقليم الجنوب، ثمّ انشقاق إقليم دارفور، وأغرقته بالدماء والدمار، وأشغلته عن البناء والتعمير، وحرّضتْ أمم الأرض على التدخل في الشأن السوداني بدعوى حماية حقوق الأقليّات غير العربية، وتمتدّ عيونها بين الفينة والأخرى إلى الجزائر لتجزئتها وتفتيتها تحت ذرائع واهية، فنراها تجسّ النبض من خلال عزفها الإعلامي على الوتر الأمازيغي في منطقة القبائل، وها هي الآن تتربص بسورية، فمرّة تلعب بورقة الشمال السوري، ومرة تلعب بالورقة اللبنانية وبمحكمة قاتل الحريري، ومرة تختلق حكاية الدعم السوري للمقاومة في العراق وفلسطين ولبنان، ومرة أخرى تلعب بورقة ما يُسمّى بحقوق الإنسان وحرية التعبير.
         وليس من المستغرَب أنْ تقفز إلى ذهن المتتبع للأحداث جُملة من التساؤلات: لماذا لا تؤيد أمريكا النزعة الانفصالية لسكان إقليم (الباسك) عن إسبانية؟ ولماذا لا تدعم أمريكا مطالب أهالي مقاطعة (كيبك) في الانفصال عن كندا؟ ولماذا تحرص الولايات المتحدة على الاعتراف باستقلال كوسوفو ولا تحرص على الاعتراف باستقلال فلسطين؟ ولماذا يسارع الإعلام العربي وفضائياته المشهورة إلى الانجرار وراء المقولات الأمريكية والترويج لها؟ ولماذا يرفض الصينيون والروس والفرس والأفارقة السياسات الأمريكية ويَقبلُ بها العرب؟!
         إنّ الإجابة على هذه التساؤلات لا تحتاج إلى عقل أرسطو، فمن المعلوم أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تكيل بألف مكيال ومكيال، فالباسك وكيبك أقاليم تابعة لدول حليفة للولايات المتحدة، والاعتراف بدولة فلسطين العربية يثير حفيظة إسرائيل البنت المدلّلة للولايات المتحدة، وأمّا الفضائيات العربية المشهورة فهي لا تملك من العروبة غير اسمها، فمنهجها وإداراتها الخفية أمريكية مئة بالمئة، ولذلك فهي تؤدي رسالة استعمارية خبيثة في وطننا، حتى وإنْ تظاهرت بالادّعاء بأنّ أمريكا منزعجة منها، فما هذا إلا ذرّ للرماد في العيون، وأمّا عن انصياع حكومات العرب للإملاءات الأمريكية دون غيرها من حكومات  العالم  فهذا يعني أنّ الجماهير العربية لا تملك زمام أمورها بيدها وتلك هي قاصمة الظهر.

د. محمد الجاغوب - عمّان في 16/3/2008