الاثنين، 31 يناير 2011

أمريكا والنزعات الانفصالية في العالم


أمريكا والنزعات الانفصالية في العالم

         لا تنفكّ الولايات المتحدة الأمريكية عن التدخّل في الشؤون الداخلية للدّول غير الحليفة لها، فسياستها تقوم على تفتيت القوى التي ترى فيها منافسة لها، أو ترى أنّها تشكلُ خطرا على مصالحها، بهدف المحافظة على تفرّدها في الهيمنة على مقدّرات الشعوب الأخرى وعلى مصائرها، وقد استخدمتْ هذه السياسة في تعاملها مع الاتحاد السوفييتي ، وروسيا الاتحادية، ومع الوطن العربي، و يوغسلافيا وإندونيسيا، والصين الشعبية.
         ففي حقبة الحرب الباردة وجدتْ أمريكا في ما يُسمّى بربيع (براغ) فرصة سانحة لانفصال تشيكوسلوفاكيا عن دول المنظومة السوفييتية، غير أنّ الجيش الأحمر السوفييتي حَسَمَ الأمرَ عندما اجتاحتْ دباباته (براغ) صبيحة يوم21 /8/ 1968، وأنهى أكذوبة ذلك الربيع، ثمّ لجأتْ أمريكا إلى زرع أوتادها من العملاء، أمثال (ليخ فاليسا) زعيم حركة تضامن البولندية لينخرَ الجسد السوفييتي من الداخل، بدعوى أنّ الطبقة العاملة السوفييتية أقلّ ترفيها من مثيلاتها في الغرب، وواظبتْ واشنطن ّعلى دعم هؤلاء العملاء حتى اكتملتْ فرحتها باستقالة ميخائيل غورباتشوف آخر الرؤساء السوفييت، وتفسّخ الإمبراطورية السوفييتية على يديه، فكان أنْ سارعتْ إلى دعم استقلال جمهوريات البلطيق.
         وفي مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي واصلتْ أمريكا السياسة ذاتها، فاتجهتْ أنظارُها إلى تفتيت الفيدرالية الروسية، فراحت هي وعملاؤها تثير القلاقل في أقاليم القوقاز الروسية، وتدعمُ النزعات الانفصالية فيها، ثمّ عملتْ على تفتيت الاتحاد اليوغسلافي بالحرب المدمّرة حينا، وبالضغوط الدولية أحيانا أخرى، فكان دعمُها لانفصال جمهورياته واحدة تلو الأخرى، بدءا بالبوسنة والهرسك، مرورا بكرواتيا والجبل الأسود، وانتهاء بإعلان ما يسمى باستقلال إقليم كوسوفو.
         ثمّ تدخّلتْ أمريكا في الشأن الإندونيسي، فناصرَتْ النزعة الانفصالية لسكان تيمور الشرقية، وأمّنتْ لهم غطاء سياسيا وعسكريا دوليا، مكّنهم من الانفصال عن إندونيسيا عام 1999، لأنّ الأدوار السياسية والاقتصادية القوية التي لعبتها أندونيسيا في منظومتي دول عدم الانحياز ورابطة دول جنوب شرق آسيا لم تعجب الولايات المتحدة، بل وربّما أغضبتها.
         وفي عام 1989 وجدت أمريكا في تمرّد الطلبة الصينيين في ميدان (تيانانمن) فرصة لإثارة المتاعب لحكومة الصين الشعبية، ظنّا منها أنّ هذه المتاعب ستقود إلى إنهاء الحكم الشيوعي فيها، فكان أنْ أطلقتْ على ذلك التمرّد (ربيع بكين)، وزَعَمَتْ أنّ ما قام به الطلبة المتمرّدون يُعَدّ مظهرا من مظاهر المناداة بالديمقراطية والإصلاح السياسي، ولكنّ الجيش الصيني حَسَمَ الأمرَ في الميدان المذكور، وأعاد الأمور إلى نصابها، فاندكّتْ آمال الأمريكيين، وأحْبطتْ مخططاتهم، لكنّهم ظلوا لسنوات يتغنّون بربيع (بكين) المزعوم، ويُحرّضون بعض الصينيين المقيمين خارج وطنهم على إقامة الاحتفالات بهذه الذكرى كلّ عام.
         وفي سبتمبر أيلول 2007 اندلعت احتجاجات عنيفة في شوارع (رانغون) عاصمة مينمار (بورما)، ووقف على رأس تلك الاحتجاجات رهبان بوذيون يطالبون مجلسهم الحاكم بالديمقراطية والإصلاح، وبصرف النظر عن مدى عدالة قضيتهم إلا أنّ الولايات المتحدة ربما فبْركتْ ذلك في بورما، وسخّرت له آلة إعلامها أياما وليالي، لأنّ النظام الحاكم فيها لا يُعجب الأمريكيين، أو لأنها ترغب في إثارة القلاقل على حدود الصين الشعبية، وحتى لو لم تفبْرك أمريكا تلك الأحداث في مينمار إلا أنّ دعْمَها لها يثيرُ الشك والريبة، فمِن غير المتعارف عليه أنْ تتدخّل أمريكا في أيّ مكان لوجه الله تعالى.
         ويلاحِظ المراقبون أنّ الأصابع الأمريكية تمتدّ هذه الأيام للعبث بأمن واستقرار منطقة (التبت) الصينية، حيث أوعزتْ لعميلها (الديلاي لاما) للتحريض على التظاهر ضد حكومة (بكين) بدعوى المطالبة بالديمقراطية في ظاهر الأمر، أمّا في الحقيقة فهي تسعى لإفساد استضافة الصين لدورة الألعاب الأولمبية القادمة، واندلعتْ اشتباكات في (لاسا) عاصمة الإقليم، وسالت دماءٌ، وأزهقتْ أرواحٌ، وأتلفتْ مُمتلكات، وانبرتْ واشنطن تتباكى وتطالب الحكومة الصينية بضبط النفس، فعَنْ أيّ ضبطٍ للنفس يتحدّث الأمريكيون؟! إنّ ضبط النفس مطلوب عادة في النزاع بين الدول، وليس على حساب الأمن الداخلي لتلك لدول، والمطلب الأمريكي هذا لا يعدو أنْ يكون كلمة حقّ يُراد بها باطل، لكنّ الحكومة الصينية تعرفُ مصلحتها جيدا، ومن المتوقّع أنْ تعالجَ الفوضى، وتستعيد أمنَ الإقليم بسرعة، على الرغم من التحريض الأمريكي والتضخيم الإعلامي للأحداث.
         وفي الوطن العربي وبعد أنْ اطمأنّت أمريكا إلى أنّ الحكومات العربية قد شربتْ نَخْبَ اتفاقية (سايكس بيكو) واقتنعت بتقسيماتهما للوطن العربي، ودليل اقتناعها حرصُها على ترسيم الحدود المصطنعة فيما بينها، وإقامتها الاحتفالات بذلك الترسيم دون أدنى شعور بالذنب أو الحرج، ثمّ انتقال عدوى الانقسام إلى الجماهير العربية، وتجرّعها سُموم النزعات الإقليمية والقُطرية البغيضة، فراحتْ كلّ قبيلة عربية تتغنى بأمجاد قطرها، إلى أنْ صار أهلُ كلّ قطْر بما لديهم فرحين.
         نعَمْ، بعد أنْ اطمأنت الولايات المتحدة لما آل إليه الوضع في الوطن العربي انتقلتْ إلى تجزئة المُجزّأ وشرذمة المُشرذم، فاتجهتْ لدعم الأقليات العرقية في كلّ قطر عربي، فكان أنْ شنّت حربا طاحنة على العراق عام 1991 لحماية أمْن الكويت أولا، ولتوفير ملاذ آمنٍ للأقلية الكردية في شمال العراق ثانيا، وشنّتْ عليه حربها الثانية عام 2003 لوقاية إسرائيل مِن أسلحة الدمار الشامل العراقية، فكان أنْ احتلّت العراق، ومكّنتْ الأكراد من الانفصال بشماله عن الدولة الأم، ولولا علاقاتها الوطيدة مع تركيا لاعترفتْ لأكراد العراق بدولتهم المستقلة في الشمال العراقي.
         ونظرتْ إلى السودان العربي فوجدته واسعا، وغنيا بسكانه وثرواته، فأشعلتْ فيه انشقاق إقليم الجنوب، ثمّ انشقاق إقليم دارفور، وأغرقته بالدماء والدمار، وأشغلته عن البناء والتعمير، وحرّضتْ أمم الأرض على التدخل في الشأن السوداني بدعوى حماية حقوق الأقليّات غير العربية، وتمتدّ عيونها بين الفينة والأخرى إلى الجزائر لتجزئتها وتفتيتها تحت ذرائع واهية، فنراها تجسّ النبض من خلال عزفها الإعلامي على الوتر الأمازيغي في منطقة القبائل، وها هي الآن تتربص بسورية، فمرّة تلعب بورقة الشمال السوري، ومرة تلعب بالورقة اللبنانية وبمحكمة قاتل الحريري، ومرة تختلق حكاية الدعم السوري للمقاومة في العراق وفلسطين ولبنان، ومرة أخرى تلعب بورقة ما يُسمّى بحقوق الإنسان وحرية التعبير.
         وليس من المستغرَب أنْ تقفز إلى ذهن المتتبع للأحداث جُملة من التساؤلات: لماذا لا تؤيد أمريكا النزعة الانفصالية لسكان إقليم (الباسك) عن إسبانية؟ ولماذا لا تدعم أمريكا مطالب أهالي مقاطعة (كيبك) في الانفصال عن كندا؟ ولماذا تحرص الولايات المتحدة على الاعتراف باستقلال كوسوفو ولا تحرص على الاعتراف باستقلال فلسطين؟ ولماذا يسارع الإعلام العربي وفضائياته المشهورة إلى الانجرار وراء المقولات الأمريكية والترويج لها؟ ولماذا يرفض الصينيون والروس والفرس والأفارقة السياسات الأمريكية ويَقبلُ بها العرب؟!
         إنّ الإجابة على هذه التساؤلات لا تحتاج إلى عقل أرسطو، فمن المعلوم أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تكيل بألف مكيال ومكيال، فالباسك وكيبك أقاليم تابعة لدول حليفة للولايات المتحدة، والاعتراف بدولة فلسطين العربية يثير حفيظة إسرائيل البنت المدلّلة للولايات المتحدة، وأمّا الفضائيات العربية المشهورة فهي لا تملك من العروبة غير اسمها، فمنهجها وإداراتها الخفية أمريكية مئة بالمئة، ولذلك فهي تؤدي رسالة استعمارية خبيثة في وطننا، حتى وإنْ تظاهرت بالادّعاء بأنّ أمريكا منزعجة منها، فما هذا إلا ذرّ للرماد في العيون، وأمّا عن انصياع حكومات العرب للإملاءات الأمريكية دون غيرها من حكومات  العالم  فهذا يعني أنّ الجماهير العربية لا تملك زمام أمورها بيدها وتلك هي قاصمة الظهر.

د. محمد الجاغوب - عمّان في 16/3/2008

السبت، 29 يناير 2011

قصيدة عنوانُها : مكالمة

مكــــالــمة
تهادى حَديثـُـك ِ وقتَ المساءْ


كهمـس النسيم و وقع ِ الغِناءْ

يثيــرُ الحنيـنَ بقلب المُحبِّ


و يُحيي السُرورَ ويجلو العَناء

و يبعثُ في النفس حُلوَ الأماني


و يُرْقِصُ فيـها طيوفَ الضياء

و يسقي بقلبي جــذورَ الهوى


فتورق فيــه غصونُ الـرجاءْ

و تصحو طيورٌ شجــاها الودادُ


تغني اشتياقا لـــزَيـــن النساءْ

و أسمعُ بين الضلـوع وَجيبَ ال


فؤاد يُغنّـــيكِ لحْـنَ الوفــــاءْ

رسولي إليـــــك نسيمُ الصَّــــــبا


إذا ما ابتعدْنا و عزَّ اللقــــاءْ

سأبقى أناجيك ِ طيفـا جميـــلا


يزورُ حيِّــيًا بجُنح الخفـــــاءْ
 
من ديوان (عوليم) -  د. محمد الجاغوب

الأربعاء، 12 يناير 2011

المتاجرة بقميص الحريري

المتاجرة بقميص الحريري 
د. محمد الجاغوب

         لم تحظ قضية اغتيال سياسي في الساحة اللبنانية خاصة والعربية عامة، بمثل ما حَظيتْ به قضية اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، فهذه القضية تتفاعل يوماً بعد يوم، وتتطورُ أحداثها بشكل دراماتيكي، تارة بالتظاهرات والاعتصامات والدعوات إلى تدويل القضية، وتارة بلجان التحقيق المُهيمَن عليها أمريكياً إلى ما يُسمّى بالمحكمة الدولية، تلك المحكمة التي لا تحمل من صفات القانون الدولي غير اسمها، أما حقيقتها فهي في الواقع سياسية بحتة. وما مِن شك ٍ في أن َّهذه المحكمة مُسَيّسَة شأنُها شأن  المحاكم الصورية التي حاكمت القيادة العراقية السابقة. مَحاكمُ تم تشكيلها بإرادة أمريكية ودعم أمريكي، ليس حُبّا في رفيق الحريري ولا حُبا في دماء الأبرياء من الشعب العراقي بقدر ما هو انتقام وتحجيم للقوى الوطنية العربية في بغداد ودمشق وبيروت لأنها ترفض الاعتراف بإسرائيل وترفض التطبيع معها.

         لقد شهدَ لبنانُ عدداً كبيراً من الاغتيالات السياسية على مرّ العقود الماضية قبل الحريري، فقد اغتيل من رؤساء الوزارات اللبنانية كل من رياض الصلح ورشيد كرامي، واغتيلَ من رؤساء الجمهورية المُنتخبين كل مِن بشير الجمَيّل ورينيه معوض، واغتيل زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط، ومفتي لبنان الشيخ حسن خالد، والعلامة صبحي الصالح، ومعروف سعد وغيرهم من السياسيين الكثير ، ناهيك عن اغتيال عدد آخر من الإعلاميين اللبنانيين وبعض الشخصيات القيادية العربية المقيمة على أرض لبنان.

         لم تثـُرْ ثائرة أحد لأجل هؤلاء، ولم تتفاعل قضاياهم طويلاً، وقد شغلتْ كلٌ منها وسائلَ الإعلام لفترة وجيزة، ثم طويتْ وحُفظتْ ملفاتها ورانَ عليها النسيان. لقد أخذتْ قضية اغتيال الحريري زخماً إعلامياً لأن الذين خططوا لها ونفـّذوها أرادوها كذلك، وأرادوا توظيفـَها لخدمة مآربهم الشريرة وأطماعهم في الأرض العربية، وسَعْيهم الدائم لتوفير حزام آمِن ٍ للدولة العبرية، ودَرْء آخر معاقل الخطر العربي التي قد تهدد كيانها في يوم من الأيام.

         إن المتتبع لخريطة الأحداث لا يحتاج لعقل أفلاطون ليكتشف أبعاد هذه المؤامرة الهادفة إلى سَلخ ِ لبنان عن عُمقه العربي، وضرْب قلعة الصمود السورية التي استعصت حتى الآن على التطويع والتركيع والتطبيع. إنّ مُدبري هذه المؤامرة يخلقون المبررات لضرْب سوريا وإسقاطها بتهم عديدة منها: دعم المقاومة العراقية ودعم المقاومة الفلسطينية والعَبَثِ بأمن لبنان وانتهاك حقوق الإنسان، وغيرها من التهم الباطلة والمفضوحة الأهداف. إنّ عداءَهم الحقيقي لسوريا ناجم ٌعن رفض سوريا السير في طريق المصالحة مع إسرائيل والاعتراف بها ووقوفها وراء إسقاط اتفاق 17 أيار اللبناني المعروف، ولذلك فقد سخّروا لحملتهم شراذمَ المنشقين والخارجين على قانون الدولة السورية من المعتصمين بعواصم الامبريالية في أوروبا والولايات المتحدة، وسخّروا التيارات اللبنانية المشبوهة، والمضللة بالمال والإعلام، وسخّروا الأقلام المعروفة بعدم انتمائها للأمة العربية والوطن العربي.

         لماذا كل هذا الانزلاق الخطر من قبل تيارات لبنانية يَمِينية نحو مخاصمة سوريا والمقاومة اللبنانية، والوقوف في الخندق المعادي لهما وللأمة العربية، ليس غريباً على التيارات اليمينية المحافِظة اتخاذ مثل هذه المواقف، رغم ما لسوريا عليها من جمائل ورغم ما للمقاومة اللبنانية من فضل تحرير وتطهير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي وأذنابه وعُملائه، لكنّ المدهش أن يصطـّفَ في هذا الخندق بعضُ رفاق الأمس من تقدميين وقوميين ويساريين وبعثيين مُنشقين، أتمنى ألا يبدأ عقد المسبحة بالانفراط في زمن تتكالب فيه قوى الشر، وتحشد كل ما أوتيتْ من قوة المال والسلاح والإعلام.

         إن الذين رفعوا قميصَ الحريري وطافوا به في الأقطار مُطالبين بدمِه ليس لديهم إجماع على حُبّ رفيق الحريري، وكلُّ ما يجمعهم هو مصالحهم الشخصية والعداء للأمة العربية، وما تباكيهم على الحريري إلا ضَرْبٌ من بكاء التماسيح أو ضرب من بكاء الندّابات والنائحات اللواتي عُرفن في العصر الجاهلي بالتباكي على الميت لقاء أجر معلوم .

         إن الجماهير العربية الغيورة على شرف الأمة ومصلحة الوطن، من الذين يحملون بين جوانحهم المشروع القومي العربي وحتى أولئك الذين يحملون على عاتقهم المشروع الإسلامي كلُّ هؤلاء لن يسمحوا للمُرجفين والمارقين والمأجورين بسَلِّ حِرابهم لطعن جسد الأمة ومصالحها ومستقبلها،  إنّ هؤلاء الشرفاء جميعا مَدعوّون اليوم إلى التيقظ للمخططات المعادية وفضحِها والتوحد لمواجهتها، ودَرْء الخطر الذي يُهددُ الوطن العربي والمستقبل العربي.


الخميس، 9 ديسمبر 2010

الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية

الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية
مقالة بقلم د. محمد الجاغوب

" فأمّا الزبَدُ فيذهبُ جفاءً "، هذا هو شأن الاتفاقية الأمنيّة العراقية الأمريكية التي لا تنْفعُ الناسَ، ووُقعتْ بين طرفين غير متكافئين، أحدهما يحتلّ وطنَ الآخر، والتي تسمى اتفاقا مِن باب تجاوز الأسماء لمُسمّياتها، ولكنها في الحقيقة عبارة عن شرْعنة لبقاء قوّات الاحتلال الأمريكي للعراق العربي لأطول فترة ممكنة، بعيدا عن الإشارة بإصبع الاتهام لتلك القوات على أنها قوات غازية أومعتدية تسببت في خراب وطن بأكمله، ونهب ثرواته، وترهيب شعبه، وزرع بذور الفتنة والشقاق بين شرائحه.
وقد ظنّ مهندسو تلك الاتفاقية وعرّابوها أنّ السبيل إلى تحقيق تلك الشرْعنة هو إقرارها مِن قبل البرلمان والحكومة العراقيّين، وإخراجها إلى الأمة العربية والعالم على أنها اتفاق أمني يحفظ مصالح الفريقين، ولذلك عُرضت عليهما لمناقشتها مناقشة صورية لا تقدم ولا تؤخر في جوهرها، مُتَناسينَ أنّ هاتين المؤسستين لا تتمتعان بشرعية دستورية ولا قانونية؛ فالحكومة العراقية وأقطابُها جاء بهم المحتلُ الأمريكي محمولين على دباباته مِن خارج الوطن، والبرلمان العراقي أفرزه قانون انتخاب وضعه برايمر وسلطات الاحتلال، وبالتالي فإنّ إقرار الاتفاقية مِن قبلهما أمرٌ لا يُلزم العراق ولا الشعب العراقي؛ لأنّ ما بُنيَ على باطل فهو باطل، والغزو الأمريكيُّ للعراق باطل، وقد اعترفَ بذلك الرئيس بوش ذاته في أواخر أيّام عَهده، وما ترتّبَ على ذلك الغزوِ باطل أيضا، وجميع الإجراءات التي قامت بها سلطات الاحتلال مِن تخريب البلد، ونهب ثرواته، وهدم مؤسساته، وتغيير دستوره، وملاحقة قادته السابقين، وحلِّ جيشه الوطني، وتلاعُبٍ بعَلمه، وتزوير هويته العربية كلّ ذلك باطل ، والباطل لا بدَّ له أنْ يزهق وإنْ طالَ المدى.
إنّ الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية لا تعني إلاّ الاحتلال الأمريكي الجاثم فوق تراب العراق؛ لإطالة أمد بقائه فيه، أو لتمكين المحتلّين مِن سَحْبِ قوّاتِهم بشكلٍ مُنظّم مع حِفظ ماء الوجه لهم، كما أنّها تعني أعوانَ ذلك الاحتلال مِن العراقيين؛ لإطالة أمد بقائهم في سدّة الحُكم، وقد يتأثّر بها جيران العراق، ويتفاوتُ تأثرُ أولئك الجيران تبعا لقوّة تأثيرهم في الأحداث، وتبعا لحجم مصالحهم في المنطقة، فالإيرانيون طرف قويّ، ويملكُ بيده أوراقا كثيرة، يمكنه توظيفها ضد الأمريكيين داخل العراق إذا لمْ تلوِّحْ لهم أمريكا بثمنٍ ما، ولرُبّما يكون ذلك الثمن غضّ النظرعن الملف النووي الإيراني مقابل تفاهمات ضمنية.
والأكراد طرفٌ يستقوي بالقوات الأمريكية، ويقبض ثمن تعاونه معها بالانفراد في حُكم شمال العراق، وتولّي بعضَ المناصب الحساسة، كرئاسة الجمهورية، ووزارة الخارجية. والأتراك طرف قويّ أيضا، ويملك نفوذا في العراق، ولكنه لا يوظفه ضد الأمريكيين لاعتبارات تتعلق بعضويّة تركيّة في منظمة حِلف شمال الأطلسي، وأحلامها بالانضمام للمجموعة الأوروبية، مقابل تفاهمات ضمنية أيضا، ثمنها أنْ تغضّ أمريكا نظرَها عن ملاحقة الجيش التركي للمتمردين الأكراد الذين يُهدّدون شرق الأناضول.
أمّا الطرفُ العربيُّ فهو طرَفٌ ضعيف للأسف الشديد، ومُمالئٌ للسياسة الأمريكية منذ اليوم الأول للغزو؛ حيثُ هيّأتْ دولٌ عربية خزائنها لتمويل العدوان، وهيّأت أراضيها لتمريره برا وبحرا وجوا، وسخّرتْ أبواقها الإعلامية للفتّ في عّضُد العراقيين والمزاودة على قيادتهم السابقة، وإسداء النصائح لها بمغادرة العراق حقنا لدماء العراقيين، وهي كلمة حَقٍّ أريدَ بها باطلٌ، بلْ إنّ بعض هذه الدول قطعَتْ شأوا بعيدا في الأريحية والكرم بعرضها استضافة الرئيس صدام حسين على أراضيها، وحتى هذه الاستضافة لا تخفى على أحد بأنها ما كانت لتتمّ إلا بالتنسيق مع الطرف الأمريكي.
إنّ مَن يقرأ التاريخ والجغرافيا جيدا لا يُعجزه أنْ يعرفَ بأنّ العراق يمثلُ البوابة الشرقية للوطن العربي منذ فجر التاريخ، وهو يتمتعُ بارتباط جغرافي عريض مع عمقه العربي، وأنّ راياتِه العربية خفاقة في ذي قار، وخفاقة في قادسية سعد وفي قادسية صدام، وأنّ ساسة العراق منذ أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد قد حافظوا على عروبة العراق وإسلامه، فكان أنْ تصدّوا للخائنين والشعوبيين مِن أمثال أبي مسلم الخراساني، وأبي سلمة الخلال، والبرامكة وغيرهم، وواصَلوا حَمْلَ الأمانة في العصر الحديث؛ فتصدوا لقوات الانتداب البريطاني بُعيدَ الحرب العالمية الأولى؛ فكانت ثورة 1920 ، وأسقطوا جميع اتفاقيات الإذلال المبرمة مع بريطانيا، ووضعوا العراق العربي في موضع الصدارة مِن الأحداث، حيث أدّى العراق وجيشه البطلُ دورا مشرِّفا في معارك فلسطين والجولان وقادسية صدام وأم المعارك والحواسم وغيرها، وجعلوا مِن العراق قلعة صناعية واقتصادية وعلمية كبرى.
إنّ هذا العراق العظيم لا يثنيه عن أداء أدواره المشرِّفة سحابة احتلال عابرة، ولا شرذمة مِن الصِّغار الذين اختطفوه وحوّلوا مسارَه إلى حين، فالشعب العراقي الواحد الموحد يَعرفُ جيدا كيف يُسقط هذه الاتفاقية المذلة، مثلما أسقطَ قبلها الاتفاقيات مع بريطانيا، ومثلما أسقط حِلفَ بغداد، ومثلما أسقطَ العربُ اللبنانيون اتفاقية السابع عشر مِن أيار مع إسرائيل، ومثلما أسقط الشعب العربي المصري اتفاقيات قناة السويس مع بريطانيا. فالمنازلة ما زالت مفتوحة، والعراقيون ومِن ورائهم جماهير الأمة العربية ما زالوا قادرين على إعادة الأمور إلى نصابها، وتحرير العراق مِن خاطفيه، فالعراق لنْ يكون إلا عربيَّ الهوية والهوى، عربيَّ البوصلة والاتجاه، عربيَّ القيادة والراية وإنْ كرهَ أعداءُ العرب.
إنّ الذين فرحوا بتوقيع الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية، وروّجوا لها، وسوّقوها عبرَ وسائل إعلامهم، واعتبروها إسدالا للستار على أدوارهم المخزية، أولئكَ لنْ يطول فرحُهم، كما أنّ كتّابَ الأعمدة في الصُحُف العربية الذين زيّنوا تلك الاتفاقية وتحدّثوا عنْ مُعجزاتها وفضائلها سيلعَنهم التاريخ، ويلعنهم اللاعنون مِن أبناء أمتهم، وعندما يجيء الحقُّ ويزهق الباطل لن يَجدَ أولئك المنافقون لأنفسهم ملاذا يدفع عنهم غائلة الخزي والعار، وإنّ غدا لناظره قريب.